وقد تقدّم أنّ سيبويه لا يجيز أن تقع «أن» وما في حيّزها موقع الحال. وقال الفراء : «المعنى على الشرط والجزاء ؛ لأنّ معناه : إن أغمضتم أخذتم ، ولكن لمّا وقعت «إلّا» على «أن» فتحها ، ومثله : (إِلَّا أَنْ يَخافا)(١) (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ)(٢). وهذا قول مردود عليه في كتب النحو.
والجمهور على «تغمضوا» بضمّ التاء وكسر الميم مخففة من «أغمض» وفيه وجهان :
أحدهما : أنه حذف مفعوله ، تقديره : تغمضوا أبصاركم أو بصائركم.
والثاني : في معنى ما لا يتعدّى ، والمعنى إلا أن تغضوا ، من قولهم : «أغضى عنه».
وقرأ الزهري : «تغمّضوا» بضم التاء وفتح الغين كسر الميم مشددة ومعناها كالأولى. وروي عنه أيضا «تغمضوا» بفتح التاء وسكون الغين وفتح الميم ، مضارع «غمض» بكسر الميم ، وهي لغة في «أغمض» الرباعي ، فيكون ممّا اتفق فيه فعل وأفعل. وروي عن اليزيدي «تغمضوا» بفتح التاء وسكون الغين وضمّ الميم. قال أبو البقاء : «وهو من غمض يغمض كظرف يظرف ، أي : خفي عليكم رأيكم فيه».
وروي عن الحسن : «تغمّضوا» بضمّ التاء وفتح الغين وفتح الميم مشددة على ما لم يسمّ فاعله. وقتادة كذلك إلا أنه خفّف الميم ، والمعنى : إلا أن تحملوا على التغافل عنه والمسامحة فيه. وقال أبو البقاء في قراءة قتادة : «ويجوز أن يكون من أغمض أي : صودف على تلك الحال كقولك : أحمدت الرجل أي : وجدته محمودا» وبه قال أبو الفتح. وقيل فيها أيضا : إنّ معناها إلّا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه.
(الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)(٢٧٠)
قوله تعالى : (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ) : مبتدأ وخبر ، وقد تقدم اشتقاق الشيطان وما فيه (٣). ووزن يعدكم : يعلكم بحذف الفاء وهي الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ، وقرأ الجمهور : «الفقر» بفتح الفاء وسكون القاف ، وروى أبو حيوة عن بعضهم : «الفقر» بضم الفاء وهي لغة ، وقرئ «الفقر» بفتحتين.
قوله : «منه» فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلّق بمحذوف لأنه نعت لمغفرة.
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٢٢٩).
(٢) سورة البقرة ، آية (٢٣٧).
(٣) انظر سورة البقرة ، آية (٣٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)