لا تقصدوا الخبيث منفقين منه ، قالوا : وهي حال مقدّرة ، لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه ، قاله أبو البقاء وغيره.
والثاني : أنها حال من الخبيث ، لأن في الجملة ضميرا يعود إليه أي : لا تقصدوا منفقا منه.
والثالث : أنه مستأنف ابتداء إخبار بذلك ، وتمّ الكلام عند قوله : (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) ثم ابتدأ خبرا آخر ، فقال : تنفقون منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم ، كأن هذا عتاب للناس وتقريع ، وهذا يردّه المعنى.
قوله : (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ) فيها قولان :
أحدهما : أنها مستأنفة لا محلّ لها ، وإليه ذهب أبو البقاء.
والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال ، ويظهر هذا ظهورا قويا عند من يرى أن الكلام قد تمّ عند قوله : (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) وما بعده استئناف ، وقد تقدّم تفسير معناه.
والهاء في «بآخذيه» تعود على «الخبيث» وفيها وفي نحوها من الضمائر المتصلة باسم الفاعل قولان مشهوران :
أحدهما : أنها في محلّ جر وإن كان محلّها منصوبا لأنها مفعول في المعنى.
والثاني : ـ وهو رأي الأخفش ـ أنها في محلّ نصب ، وإنما حذف التنوين والنون في نحو : «ضاربيك» للطافة الضمير ، ومذهب هشام أنه يجوز ثبوت التنوين مع الضمير ، فيجيز : «هذا ضاربنك» بثبوت التنوين ، وقد يستدلّ لمذهبه بقوله :
|
١٠٧٨ ـ هم الفاعلون الخير والآمرونه |
|
............... (١) |
وقوله الآخر :
|
١٠٧٩ ـ ولم يرتفق والنّاس محتضرونه |
|
............... (٢) |
فقد جمع بين النون النائبة عن التنوين وبين الضمير. ولهذه الأقوال أدلة مذكورة في كتب القوم.
قوله : (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا) الأصل : إلّا بأن ، فحذف حرف الجر مع «أن» فيجيء فيها القولان : أهي في محلّ جر أم نصب؟ وهذه الباء تتعلّق «تيمّموا» «بآخذيه». وأجاز أبو البقاء أن تكون «أن» وما في حيّزها في محلّ نصب على الحال ، والعامل فيها «آخذيه». والمعنى : لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض ،
__________________
(١) تقدم.
(٢) صدر بيت وعجزه :
|
............... |
|
جميعا وأيدي المعتفين رواهقه |
وهو من شواهد الكتاب (١ / ١٨٨) ، شرح المفصل لابن يعيش (٢ / ١٢٥) ، الكامل (٣١٧) ، الخزانة (٤ / ٢٧١) ، الكامل (١ / ٣٦٤) ، المقرب (١ / ٢٥). الارتفاق : الاتكاء على المرفق وهذا كناية عن عدم اشتغاله عن قضاء حوائج الناس والمعتقون : الذين يطلبون المعروف والإحسان رواهق : جمع راهقة ، يقال : رهقه إذا غشيه وأتاه الشاهد فيه قوله «احتروته» حيث جمع فيها بين النون والضمير وقد حمل هذا على أن الهاء هاء السكت أتى بها بيانا لحركة النون إجراء للوصل مجرى الوقف ضرورة. وهذا الشاهد كسابقه.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)