(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)(٢٦٧)
قوله تعالى : (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) : في مفعول «أنفقوا» قولان :
أحدهما : أنه المجرور ب «من» ، و «من» للتبعيض أي : أنفقوا بعض ما رزقناكم.
والثاني : أنه محذوف قامت صفته مقامه ، أي : شيئا ممّا رزقناكم ، وتقدّم له نظائر. و «ما» يجوز أن تكون موصولة اسمية. والعائد محذوف لاستكمال الشروط ، أي : كسبتموه ، وأن تكون مصدرية أي : من طيبات كسبكم ، وحينئذ لا بدّ من تأويل هذا المصدر باسم المفعول أي : مكسوبكم ، ولهذا كان الوجه الأول أولى.
و (مِمَّا أَخْرَجْنا) عطف على المجرور ب «من» بإعادة الجار ، لأحد معنيين : إمّا التأكيد وإمّا للدلالة على عامل آخر مقدر ، أي : وأنفقوا ممّا أخرجنا. ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : ومن طيبات ما أخرجنا. و «لكم» متعلّق ب «أخرجنا» ، واللام للتعليل. و «من الأرض» متعلّق ب «أخرجنا» أيضا ، و «من» لابتداء الغاية.
قوله : (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) الجمهور على «تيمّموا» ، والأصل : تتيمّموا بتاءين ، فحذفت إحداهما تخفيفا : إمّا الأولى وإمّا الثانية ، وقد تقدّم تحرير القول فيه عند قوله : (تَظاهَرُونَ)(١).
وقرأ البزي هنا وفي مواضع أخر بتشديد التاء ، على أنه أدغم التاء الأولى في الثانية ، وجاز ذلك هنا وفي نظائره ؛ لأنّ الساكن الأول حرف لين ، وهذا بخلاف قراءته (ناراً تَلَظَّى)(٢) (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ)(٣) فإنه فيه جمع بين ساكنين والأول حرف صحيح ، وفيه كلام لأهل العربية يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وقرأ ابن عباس والزهري «تيمّموا» بضم التاء وكسر الميم الأولى وماضيه : يمّم ، فوزن «تيمّموا» على هذه القراءة : تفعّلوا من غير حذف ، وروي عن عبد الله «تؤمّموا» من أمّمت أي قصدت.
والتيممّ : القصد ، يقال : أمّ كردّ ، وأمّم كأخّر ، ويمّم ، وتيمّم بالتاء والياء معا ، وتأمّم بالتاء والهمزة ، وكلّها بمعنى قصد. وفرّق الخليل ـ رحمهالله ـ بينها بفروق لطيفة فقال : «أمّمته قصدت أمامه ، ويمّمته : قصدت ... ويمّمته : قصدته من أي جهة كان.
والخبيث والطيب : صفتان غالبتان لا يذكر موصوفهما : قال : (الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ)(٤) ، (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ)(٥) ، قال عليهالسلام : «من الخبث والخبائث» (٦).
قوله : (مِنْهُ تُنْفِقُونَ) «منه» متعلّق ب «تنفقون» ، وتنفقون في محلّ نصب على الحال من الفاعل «تيمّموا» أي
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٨٥).
(٢) سورة الليل ، آية (١٤).
(٣) سورة النور ، آية (١٥).
(٤) سورة النور ، آية (٢٦).
(٥) سورة الأعراف ، آية (١٥٧).
(٦) غير مخرج في الأصل ٣٧٠.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)