قال الشيخ (١) : «وظاهر كلامه أن يكون «أصابه» معطوفا على متعلّق وهو «أن تكون» لأنه في معنى «لو كانت» ، إذ يقال : أيودّ أحدكم كانت ، وهذا ليس بشيء ، لأنه يمتنع من حيث المعنى أن يكون معطوفا على «كانت» التي قبلها «لو» لأنه متعلّق الودّ ، وأمّا «أصابه الكبر» فلا يمكن أن يكون متعلّق الودّ ، لأنّ «أصابه الكبر» لا يودّه أحد ولا يتمنّاه ، لكن يحمل قول الزمخشري على أنه لمّا كان «أيودّ» استفهاما معناه الإنكار جعل متعلّق الودادة الجمع بين الشيئين ، وهما : كون جنة له وإصابة الكبر إياه ، لا أنّ كلّ واحد منهما يكون مودودا على انفراده ، وإنما أنكروا ودادة الجمع بينهما».
قوله : (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ) هذه الجملة في محلّ نصب على الحال من الهاء في «وأصابه». وقد تقدّم اشتقاق الذريّة (٢). وقرئ (٣) «ضعاف» ، وضعفاء وضعاف منقاسان في ضعيف ، نحو : ظريف وظرفاء وظراف ، وشريف وشرفاء وشراف.
وقوله : (فَأَصابَها إِعْصارٌ) هذه الجملة عطف على صفة الجنة قبلها ، قاله أبو البقاء ، يعني على قوله : (مِنْ نَخِيلٍ) وما بعده.
وأتى في هذه الآيات كلّها نحو «فأصابها وابل ـ وأصابه الكبر ، فأصابها إعصار» لأنه أبلغ وأدلّ على التأثير بوقوع الفعل على ذلك الشيء ، من أنه لم يذكر بلفظ الإصابة ، حتى لو قيل : «وبل» و «كبر» وأعصرت» لم يكن فيه ما في لفظ الإصابة من المبالغة.
والإعصار : الريح الشديدة المرتفعة ، وتسمّيها العامّة : الزّوبعة. وقيل : هي الريح السّموم ، سمّيت بذلك لأنها تلفّ كما يلفّ الثوب المعصور ، حكاه المهدوي. وقيل : لأنها تعصر السحاب ، وتجمع على أعاصير ، قال :
|
١٠٧٦ ـ وبينما المرء في الأحياء مغتبط |
|
إذ هو في الرّمس تعفوه الأعاصير (٤) |
والإعصار من بين سائر أسماء الريح مذكر ، ولهذا رجع إليه الضمير مذكّرا في قوله : «فيه نار».
و «نار» يجوز فيه الوجهان : أعني الفاعلية والجارّ قبلها صفة ل «إعصارا» ، والابتدائية والجارّ قبلها خبرها ، والجملة صفة «إعصار» ، والأول أولى لما تقدّم من أنّ الوصف بالمفرد أولى ، والجارّ أقرب إليه من الجملة.
وقوله : (فَاحْتَرَقَتْ) أي : أحرقها فاحترقت ، فهو مطاوع لأحرق الرباعي ، وأمّا «حرق» من قولهم : «حرق ناب الرجل» إذا اشتدّ غيظه ، فيستعمل لازما ومتعديا ، قال :
|
١٠٧٧ ـ أبى الضّيم والنّعمان يحرق نابه |
|
عليه فأفضى والسّيوف معاقله (٥) |
روي برفع «نابه» ونصبه. وقوله : «كذلك يبيّن» إلى آخره قد تقدّم نظيره.
__________________
(١) البحر المحيط (٢ / ٣١٤).
(٢) انظر سورة البقرة ، آية (١٢٨).
(٣) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٢٤).
(٤) البيت لعشير بن لبيد ونسب لغيره انظره في أمالي القالي (٢ / ١٧٧) ، رصف المباني (٣١٨) ، الدرر (١ / ١٧٣) ، اللسان «دهر».
(٥) البيت لزهير انظر ديوانه (١٤٣) ، الكامل (١ / ١٢٠) ، الجمهرة (٢ / ١٣٩) ، المحتسب (١ / ٥٨) ، البحر (٢ / ٣٠٣) ، شرح الحماسة للمرزوقي (٢ / ٥٧٦) ، التهذيب «حرق» (١ / ٤٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)