والثاني : إنها في محلّ نصب ، وفيه أيضا وجهان :
فقيل : على الحال من «جنّة» لأنها قد وصفت.
وقيل : على أنها خبر «تكون» نقله مكي.
قوله : (لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) جملة من مبتدإ وخبر ، فالخبر قوله : «له» و «من كلّ الثمرات» هو المبتدأ ، وذلك لا يستقيم على الظاهر ، إذا المبتدأ لا يكون جارا ومجرورا فلا بدّ من تأويله. واختلف في ذلك ، فقيل : المبتدأ في الحقيقة محذوف ، وهذا الجارّ والمجرور صفة قائمة مقامه ، تقديره : «له فيها رزق من كلّ الثمرات أو فاكهة من كلّ الثمرات» فحذف الموصوف وبقيت صفته ، ومثله قول النابغة :
|
١٠٧٥ ـ كأنّك من جمال بني أقيش |
|
يقعقع خلف رجليه بشنّ (١) |
أي : جمل من جمال بني أقيش ، وقوله تعالى : (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) أي : وما منا أحد إلا له مقام. وقيل : «من» زائدة تقديره : له فيها كلّ الثمرات ، وذلك عند الأخفش لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا. وأمّا الكوفيون فيشترطون التنكير ، والبصريون يشترطونه وعدم الإيجاب ، وإذا قلنا بالزيادة فالمراد بقوله : «كلّ الثمرات» التكثير لا العموم ، لأنّ العموم متعذّر. قال أبو البقاء : «ولا يجوز أن تكون «من» زائدة لا على قول سيبويه ولا قول الأخفش ، لأنّ المعنى يصير : له فيها كلّ الثمرات ، وليس الأمر على هذا ، إلّا أن يراد به هنا الكثرة لا الاستيعاب فيجوز عند الأخفش ، لأنه يجوّز زيادة «من» في الواجب.
قوله : (وَأَصابَهُ الْكِبَرُ) فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الواو للحال ، والجملة بعدها في محلّ نصب عليها ، و «قد» مقدرة أي : وقد أصابه ، وصاحب الحال هو «أحدكم» ، والعامل فيها «يودّ» ونظيرها : (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ)(٢) ، وقوله تعالى : (وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا)(٣) أي : وقد كنتم ، وقد قعدوا.
والثاني : أن يكون قد وضع الماضي موضع المضارع ، والتقدير «ويصيبه الكبر» كقوله : (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ)(٤) أي : فيوردهم. قال الفراء : «يجوز ذلك في «يودّ» لأنه يتلقّى مرة ب «أن» ، ومرة ب «لو» فجاز أن يقدّر أحدهما مكان الآخر».
والثالث : أنه حمل في العطف على المعنى ، لأنّ المعنى : أيودّ أحدكم أن لو كانت فأصابه الكبر ، وهذا الوجه فيه تأويل المضارع بالماضي ليصحّ عطف الماضي عليه ، عكس الوجه الذي قبله ، فإنّ فيه تأويل الماضي بالمضارع. واستضعف أبو البقاء هذا الوجه بأنه يؤدي إلى تغيير اللفظ مع صحة المعنى. والزمخشري نحا إلى هذا الوجه أيضا فإنه قال : «وقيل يقال : وددت لو كان كذا ، فحمل العطف على المعنى ، كأنه قيل : أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر.
__________________
(١) البيت في ديوانه (١٩٨) ، وهو من شواهد الكتاب (١ / ٣٧٥) ، الخزانة (٢ / ٣١٢) ، شرح المفصل لابن يعيش (١ / ٦١).
(٢) سورة البقرة ، آية (٢٨).
(٣) سورة آل عمران ، آية (١٦٨).
(٤) سورة هود ، آية (٩٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)