الرابع : أن تكون حالا من «جنة» ، وجاز ذلك لأنّ النكرة قد تخصّصت بالوصف ، ولا بدّ من تقدير «قد» حينئذ ، أي : وقد أصابها.
قوله : (فَآتَتْ أُكُلَها) فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : وهو الأصحّ أنّ «آتت» تتعدّى لاثنين ، حذف أولهما وهو «صاحبها» أو «أهلها». والذي حسّن حذفه أنّ القصد الإخبار عمّا تثمر لا عمّن تثمر له ، ولأنه مقدر في قوله : «كمثل جنة» أي غارس جنة أو صاحب جنة ، كما تقدّم. و «أكلها» هو المفعول الثاني. و «ضعفين» نصب على الحال من «أكلها».
والثاني : أنّ «ضعفين» هو المفعول الثاني ، وهذا سهو من قائله وغلط.
والثالث : أنّ «آتت» هنا بمعنى أخرجت ، فهو متعدّ لمفعول واحد. قال أبو البقاء : «لأنّ معنى «آتت» : أخرجت ، وهو من الإتاء ، وهو الرّيع».
قال الشيخ (١) : «لا نعلم ذلك في لسان العرب». ونسبة الإيتاء إليها مجاز.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «أكلها» بضمّ الهمزة وسكون الكاف ، وهكذا كلّ ما أضيف من هذا إلى مؤنث ، إلا أبا عمرو فإنه يثقّل ما أضيف إلى غير ضمير أو إلى ضمير المذكر ، والباقون بالتثقيل مطلقا ، وسيأتي إيضاح هذا كلّه. والأكل بالضم : الشيء المأكول ، وبالفتح مصدر ، وأضيف إلى الجنة لأنها محلّه أو سببه.
قوله : (فَطَلٌ) الفاء جواب الشرط ، ولا بدّ من حذف بعدها لتكمل جملة الجواب. واختلف في ذلك على ثلاثة أوجه ، فذهب المبرد إلى أنّ المحذوف خبر ، وقوله : «فطلّ» مبتدأ ، والتقدير : «فطلّ يصيبها». وجاز الابتداء هنا بالنكرة لأنها في جواب الشرط ، وهو من جملة المسوّغات للابتداء بالنكرة ، ومن كلامهم : «إن ذهب عير فعير في الرّباط» (٢). والثاني : أنه خبر مبتدإ مضمر ، أي : فالذي يصيبها طلّ.
والثالث : أنه فاعل بفعل مضمر تقديره : فيصيبها طلّ ، وهذا أبينها.
إلّا أنّ الشيخ (٣) قال : ـ بعد ذكر الثلاثة الأوجه ـ «والأخير يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جوابا وإبقاء معمول لبعضها ، لأنه متى دخلت الفاء على المضارع فإنما هو على إضمار مبتدإ كقوله : (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ)(٤) أي : فهو ينتقم ، فلذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا ، أي : فهي ، أي : الجنة يصيبها طلّ ، وأمّا في التقديرين السابقين فلا يحتاج إلّا إلى حذف أحد جزئي الجملة» وفيما قاله نظر ، لأنّا لا نسلّم أن المضارع بعد الفاء الواقعة جوابا يحتاج إلى إضمار مبتدأ.
ونظير الآية قول امرئ القيس :
|
١٠٧٣ ـ ألا إن لا تكن إبل فمعزى |
|
كأنّ قرون جلّتها العصيّ (٥) |
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ٣١٢).
(٢) مجمع الأمثال (١ / ٤٠). قال الميداني : والرباط : ما تشد به الدابة ـ ويضرب في الرضا بالحاضر وترك الغائب.
(٣) البحر المحيط (٢ / ٣١٣).
(٤) سورة المائدة ، آية (٩٥).
(٥) البيت في ديوانه (١٣٦) ، البحر المحيط (١ / ٢١٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)