نقول : إنّ ثبت ـ يعني مخففا ـ فعل لازم معناه تمكّن ورسخ ، وثبّت معدّى بالتضعيف ، ومعناه مكّن وحقّق. قال ابن رواحة :
|
١٠٧١ ـ فثبّت الله ما أتاك من حسن |
|
تثبيت عيسى ونصرا كالّذي نصروا (١) |
فإذا كان التثبيت مسندا إليهم كانت «من» في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر ، وتكون للتبعيض ، مثلها في «هزّ من عطفه» و «حرّك من نشاطه» وإن كان مسندا في المعنى إلى أنفسهم كانت «من» أيضا في موضع نصب صفة ل «تثبيتا».
قال الزمخشري : «فإن قلت : فما معنى التبعيض؟ قلت : معناه أنّ من بذل ماله لوجه الله فقد ثبّت بعض نفسه ، ومن بذل روحه وماله معا فقد ثبّت نفسه كلّها».
قال الشيخ (٢) : «والظاهر أنّ نفسه هي التي تثبّته وتحمله على الإنفاق في سبيل الله ليس له محرّك إلا هي ، لما اعتقدته من الإيمان والثواب» يعني فيترجّح أنّ التثبيت مسند في المعنى إلى أنفسهم».
قوله : (بِرَبْوَةٍ) في محلّ جر لأنه صفة لجنة. والباء ظرفية بمعنى «في» أي جنة كائنة في ربوة. والربوة : أرض مرتفعة طيبة ، قاله الخليل. وهي مشتقة من ربا يربو أي : ارتفع ، وتفسير السدّي لها بما انخفض من الأرض ليس بشيء. ويقال : ربوة ورباوة بتثليث الراء فيهما ، ويقال أيضا : رابية ، قال :
|
١٠٧٢ ـ وغيث من الوسميّ حوّ تلاعه |
|
أجابت روابيه النّجاء هواطله (٣) |
وقرأ ابن عامر وعاصم «ربوة» بالفتح ، والباقون بالضمّ ، قال الأخفش : «ونختار الضمّ لأنه لا يكاد يسمع في الجمع إلا الرّبا» يعني فدلّ ذلك على أن المفرد مضموم الفاء ، نحو برمة وبرم ، وصورة وصور. وقرأ ابن عباس «ربوة» بالكسر ، والأشهب العقيلي : «رياوة» ، مثل رسالة ، وأبو جعفر : «رباوة» مثل كراهة ، وقد تقدّم أنّ هذه لغات.
قوله : (أَصابَها وابِلٌ) هذه الجملة فيها أربعة أوجه :
أحدها : أنها صفة ثانية لجنة ، وبدئ هنا بالوصف بالجارّ والمجرور ثم بالجملة ، لأنه الأكثر في لسانهم لقربه من المفرد ، وبدئ بالوصف الثابت المستقرّ وهو كونها بربوة ، ثم بالعارض وهو إصابة الوابل. وجاء قوله في وصف الصفوان (٤) ـ وصفه بقوله : «عليه تراب» ـ ثم عطف على الصفة «فأصابه وابل» وهنا لم يعطف بل أخرج صفة.
والثاني : أن تكون صفة ل «ربوة» ، قال أبو البقاء : «لأنّ الجنة بعض الربوة» كأنه يعني أنه يلزم من وصف الربوة بالإصابة وصف الجنة به.
الثالث : أن تكون حالا من الضمير المستكنّ في الجارّ لوقوعه صفة.
__________________
(١) انظر ديوانه (٩٤) ، البيت من شواهد البحر (٢ / ٣١١).
(٢) انظر البحر المحيط (٣ / ٣١١).
(٣) البيت لزهير انظر ديوانه (١٢٧) ، البحر المحيط (٢ / ٣٠٢).
(٤) انظر سورة البقرة ، آية (٢٦٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)