أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٢٦٥)
وقوله تعالى : (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) : إلى قوله : (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) كقوله : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ)(١) في جميع التقادير فليراجع. وقرأ الجحدريّ «كمثل حبة» بالحاء المهملة والباء.
قوله : (ابْتِغاءَ) فيه وجهان :
أحدهما : أنه مفعول من أجله ، وشروط النصب متوفرة.
والثاني : أنه حال ، و «تثبيتا» عطف عليه بالاعتبارين : أي لأجل الابتغاء والتثبيت ، أو مبتغين متثبّتين. ومنع ابن عطية أن يكون «ابتغاء» مفعولا من أجله ، قال : «لأنه عطف عليه «تثبيتا» ، وتثبيتا لا يصحّ أن يكون مفعولا من أجله ، لأنّ الإنفاق لا يكون لأجل التثبيت ، وحكى عن مكي كونه مفعولا من أجله ، قال : «وهو مردود بما بيّنّاه».
وهذا الذي ردّه لا بدّ فيه من تفصيل ، وذلك أنّ قوله : «وتثبيتا» إمّا أن يجعل مصدرا متعديا أو قاصرا ، فإن كان قاصرا ، أو متعديا وقدّرنا المفعول هكذا : «وتثبيتا من أنفسهم الثواب على تلك النفقة» ، فيكون تثبيت الثواب وتحصيله من الله حاملا لهم على النفقة ، وحينئذ يصحّ أن يكون «تثبيتا» مفعولا من أجله ، وإن قدّرنا المفعول غير ذلك ، أي : وتثبيتا من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية ، أو جعلنا «من أنفسهم» هو المفعول في المعنى ، وأنّ «من» بمعنى اللام أي : لأنفسهم ، كما تقول : «فعلته كسرا من شهوتي» فلا يتضح فيه أن يكون مفعولا من أجله.
وأبو البقاء قد قدّر المفعول المحذوف «أعمالهم بإخلاص النية» ، وجوّز أيضا أن يكون «من أنفسهم» مفعولا ، وأن تكون «من» بمعنى اللام ، وكان قدّم أولا أنه يجوز فيهما المفعول من أجله والحالية ، وهو غير واضح كما تقدّم.
وتلخّص أنّ في «من أنفسهم» قولين :
أحدهما : أنه مفعول بالتجوّز في الحرف.
والثاني : أنه صفة ل «تثبيتا» ، فهو متعلّق بمحذوف ، وتلخّص أيضا أن التثبيت يجوز أن يكون متعدّيا ، وكيف يقدّر مفعوله ، وأن يكون قاصرا.
فإن قيل : «تثبيت» مصدر ثبّت وثبّت متعد ، فكيف يكون مصدره لازما؟ فالجواب أنّ التثبيت مصدر تثبّت فهو واقع موقع التثبّت ، والمصادر تنوب عن بعضها. قال تعالى : (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)(٢) والأصل : «تبتّلا» ويؤيّد ذلك قراءة من قرأ : «وتثبّتا» ، وإلى هذا نحا أبو البقاء.
قال الشيخ (٣) : «وردّ هذا القول بأنّ ذلك لا يكون إلا مع الإفصاح بالفعل المتقدّم على المصدر ، نحو الآية ، وأمّا أن يؤتى بالمصدر من غير نيابة على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي هو له في الأصل» ثم قال : «والذي
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٢٦١).
(٢) سورة المزمل ، آية (٨).
(٣) انظر البحر المحيط (٢ / ٣١١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)