مشترك بين هذين المعنيين ، والقراءتان تحتملهما معا ، وهذا مذهب أبي عليّ. وقال الفراء : «الضمّ مشترك بين المعنيين ، وأمّا الكسر فمعناه القطع فقط». وقال غيره : «الكسر بمعنى القطع والضمّ بمعنى الإمالة». ونقل عن الفراء أيضا أنه قال : «صاره» مقلوب من قولهم : «صراه عن كذا» أي : قطعه عنه. ويقال : صرت الشيء فانصار أي : قالت الخنساء :
|
١٠٦٧ ـ فلو يلاقي الّذي لاقيته حضن |
|
لظلّت الشّمّ وهي تنصار (١) |
أي : تنقطع. واختلف في هذه اللفظة : هل هي عربية أو معرّبة؟ فعن ابن عباس أنها معرّبة من النبطية ، وعن أبي الأسود أنها من السريانية ، والجمهور على أنها عربية لا معرّبة.
و «إليك» إن قلنا : إنّ «صرهنّ» بمعنى أملهنّ تعلّق به ، وإنّ قلنا : إنه بمعنى قطّعهنّ تعلّق ب «خذ».
وقرأ ابن عباس : «فصرّهنّ» بتشديد الراء مع ضم الصاد وكسرها ، من : صرّه يصرّه إذا جمعه ؛ إلا أنّ مجيء المضعّف المتعدّي على يفعل بكسر العين في المضارع قليل. ونقل أبو البقاء عمّن شدّد الراء أنّ منهم من يضمّها ، ومنهم من يفتحها ، ومنهم من يكسرها مثل : «مدّهنّ» فالضمّ على الإتباع ، والفتح للتخفيف ، والكسر على أصل التقاء الساكنين.
ولمّا فسّر أبو البقاء «فصرهنّ» بمعنى «أملهنّ» قدّر محذوفا بعده تقديره : فأملهنّ إليك ثم قطّعهنّ ، ولمّا فسّره بقطّعهن قدّر محذوفا يتعلّق به «إلى» تقديره : قطّعهنّ بعد أن تميلهنّ إليك. ثم قال : «والأجود عندي أن يكون «إليك» حالا من المفعول المضمر تقديره : فقطّعهنّ مقرّبة إليك أو ممالة أو نحو ذلك.
قوله : (ثُمَّ اجْعَلْ) «جعل» يحتمل أن يكون بمعنى الإلقاء فيتعدّى لواحد وهو «جزءا» ، فعلى هذا يتعلّق «على كل» و «منهنّ» ب «اجعل» ، وأن يكون بمعنى «صيّر» فيتعدّى لاثنين فيكون «جزءا» الأول ، و «على كل» هو الثاني ، فيتعلّق بمحذوف. و «منهنّ» يجوز أن يتعلّق على هذا بمحذوف على أنه حال من «جزءا» لأنه في الأصل صفة نكرة ، فلمّا قدّم عليها نصب حالا. وأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولا ل «اجعل» يعني إذا كانت «اجعل» بمعنى «صيّر» فيكون «جزءا» مفعولا أول ، و «منهنّ» مفعولا ثانيا قدّم على الأول ، ويتعلّق حينئذ بمحذوف. ولا بد من حذف صفة مخصّصة بعد قوله : «كلّ جبل» تقديره : «على كل جبل بحضرتك ، أو يليك» حتى يصحّ المعنى.
وقرأ الجمهور : «جزءا» بسكون الزاي والهمز ، وأبو بكر ضمّ الزاي ، وأبو جعفر شدّد الزاي من غير همز ، ووجهها أنه لمّا حذف الهمزة وقف على الزاي ثم ضعّفها كما قالوا : «هذا فرج» ، ثم أجري الوصل مجرى الوقف. وقد تقدّم تقرير ذلك عند قوله : (هُزُواً)(٢). وفيه لغة أخرى وهي : كسر الجيم. قال أبو البقاء : «ولا أعلم أحدا قرأ بها. والجزء : القطعة من الشيء ، وأصل المادة يدلّ على القطع والتفريق ومنه : التجزئة والأجزاء.
قوله : (يَأْتِينَكَ) جواب الأمر ، فهو في محلّ جزم ، ولكنه بني لاتصاله بنون الإناث.
قوله : «سعيا» فيه أوجه :
__________________
(١) البيت من شواهد البحر (٢ / ٣٠٠) ، وانظر الأضداد (٣٧).
(٢) سورة البقرة ، آية (٦٧).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)