بل الظاهر الأولخ ، ولذلك أجيبت ببلى ، وعلى ما قال ابن عطية يعسر هذا المعنى. وقوله «بلى» جواب للجملة المنفيّة وإن صار معناها الإثبات اعتبارا باللفظ لا بالمعنى ، وهذا من قسم ما اعتبر فيه جانب اللفظ دون المعنى ، نحو : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ)(١) وقد تقدّم تحقيقه.
قوله : (لِيَطْمَئِنَ) اللام لام كي ، فالفعل منصوب بعدها بإضمار «أن» ، وهو مبنيّ لاتصاله بنون التوكيد ، واللام متعلقة بمحذوف بعد «لكن» تقديره : ولكن سألتك كيفية الإحياء للاطمئنان ، ولا بدّ من تقدير حذف آخر قبل «لكن» حتى يصحّ معه الاستدراك والتقدير : بلى آمنت وما سألت غير مؤمن ، ولكن سألت ليطمئنّ قلبي.
والطّمأنينة : السكون ، وهي مصدر «اطمأنّ» بوزن اقشعرّ ، وهي على غير قياس المصادر ، إذ قياس «اطمأنّ» أن يكون مصدره على الاطمئنان. واختلف في «اطمأنّ» هل هو مقلوب أم لا؟ فمذهب سيبويه أنه مقلوب من «طأمن» ، فالفاء طاء ، والعين همزة ، واللام ميم ، فقدّمت اللام على العين فوزنه : افلعلّ بدليل قولهم : طامنته فتطامن. ومذهب الجرمي أنه غير مقلوب ، وكأنه يقول : إن اطمأنّ وطأمن مادتان مستقلتان ، وهو ظاهر كلام أبي البقاء ، فإنه قال : «والهمزة في» «ليطمئنّ» أصل ، ووزنه يفعللّ ، ولذلك جاء (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ)(٢) مثل : اقشعررتم». انتهى. فوزنه على الأصل دون القلب ، وهذا غير بعيد ، ألا ترى أنهم في جبذ وجذب قالوا : ليس أحدهما مقلوبا من الآخر لاستواء المادّتين في الاستعمال. ولترجيح كلّ من المذهبين موضع غير هذا.
قوله : (مِنَ الطَّيْرِ) في متعلّقه قولان :
أحدهما : أنه محذوف لوقوع الجارّ صفة لأربعة ، تقديره : أربعة كائنة من الطير.
والثاني : أنه متعلق بخذ ، أي : خذ من الطير.
و «الطير» اسم جمع كركب وسفر. وقيل : بل هو جمع طائر نحو : تاجر وتجر ، وهذا مذهب أبي الحسن. وقيل : بل هو مخفف من «طيّر» بتشديد الياء كقولهم : «هين وميت» في : هيّن وميّت. قال أبو البقاء : «هو في الأصل مصدر طار يطير ، ثم سمّي به هذا الجنس». فتحصّل فيه أربعة أقوال.
وجاء جرّه ب «من» بعد العدد على أفصح الاستعمال ، إذا الأفصح في اسم الجمع في باب العدد أن يفصل بمن كهذه الآية ، ويجوز الإضافة كقوله تعالى : (تِسْعَةُ رَهْطٍ)(٣) ، وقال :
|
١٠٦٦ ـ ثلاثة أنفس وثلاث ذود |
|
لقد جار الزّمان على عيالي (٤) |
وزعم بعضهم أن إضافته نادرة لا يقاس عليها ، وبعضهم أنّ اسم الجمع لما يعقل مؤنث ، وكلا الزعمين ليس بصواب ، لما تقدّم من الآية الكريمة ، واسم الجمع لما لا يعقل يذكّر ويؤنّث ، وهنا جاء مذكرا لثبوت التاء في عدده.
قوله : (فَصُرْهُنَ) قرأ حمزة بكسر الصاد ، والباقون بضمّها وتخفيف الراء ، واختلف في ذلك فقيل : القراءتان يحتمل أن تكونا بمعنى واحد ، وذلك أنه يقال : صاره يصوره ويصيره ، بمعنى قطعه أو أماله فاللغتان لفظ
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٦).
(٢) سورة النساء ، آية (١٠٣).
(٣) سورة النمل ، آية (٤٨).
(٤) تقدم.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)