أحدها : أنه مصدر واقع موقع الحال من ضمير الطير ، أي : يأتينك ساعيات ، أو ذوات سعي.
والثاني : أن يكون حالا من المخاطب ، ونقل عن الخليل ما يقوّي هذا ، فإنه روي عنه : «أن المعنى : يأتينك وأنت تسعى سعيا» فعلى هذا يكون «سعيا» منصوبا على المصدر ، وذلك الناصب لهذا المصدر في محل نصب على الحال من الكاف في «يأتينك». قلت : والذي حمل الخليل ـ رحمهالله ـ على هذا التقدير أنه لا يقال عنده : «سعى الطائر» فلذلك جعل السّعي من صفات الخليل عليهالسلام لا من صفة الطيور.
والثالث : أن يكون «سعيا» منصوبا على نوع المصدر ، لأنه نوع من الإتيان ، إذ هو إتيان بسرعة ، فكأنه قيل : يأتينك إتيانا سريعا. وقال أبو البقاء : «ويجوز أن يكون مصدرا مؤكّدا ، لأنّ السعي والإتيان يتقاربان» ، وهذا فيه نظر ؛ لأن المصدر المؤكّد لا يزيد معناه على معنى عامله ، إلّا أنه تساهل في العبارة.
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)(٢٦١)
قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) : «مثل» مبتدأ ، و «كمثل حبة» خبره. ولا بدّ من حذف حتى يصحّ التشبيه ، لأنّ الذين ينفقون لا يشبّهون بنفس الحبة. واختلف في المحذوف ، فقيل : من الأول تقديره : ومثل منفق الذين أو نفقة الذين. وقيل : من الثاني تقديره : ومثل الذين ينفقون كزارع حبة ؛ أو من الأول والثاني باختلاف التقدير ، أي : مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة وزارعها. وهذه الأوجه قد تقدّم تقريرها محررة عند قوله تعالى : (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي) ينفق (١) بأتمّ بيان فليراجع. والقول بزيادة الكاف أو «مثل» بعيد جدا ، فلا يلتفت إلى قائله.
والحبّة : واحدة الحبّ ، وهو ما يزرع للاقتيات ، وأكثر إطلاقه على البرّ قال المتلمس :
|
١٠٦٨ ـ آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه |
|
والحبّ يأكله في القرية السّوس (٢) |
و «الحبّة» بالكسر : بذور البقل ممّا لا يقتات [به] ، و «الحبّة» بالضم الحبّ.
قوله : (أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ) هذه الجملة في محلّ جر لأنها صفة لحبة ، كأنه قيل : كمثل حبة منبتة.
وأدغم تاء التأنيث في سين «سبع» أبو عمرو وحمزة والكسائي وهشام. وأظهر الباقون ، والتاء تقارب السين ولذلك أبدلت منها ، قالوا : ناس ونات ، وأكياس وأكيات ، قال :
|
١٠٦٩ ـ عمرو بن يربوع شرار النّات |
|
ليسوا بأجياد ولا أكيات (٣) |
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (١٧١).
(٢) انظر المتلمس (٥) ، وهو من شواهد الكتاب (١ / ١٧) ، أوضح المسالك (٢ / ١٧) ، أمالي ابن الشجري (١ / ٣٦٥) ، الأشموني (٢ / ٩٠).
(٣) البيت لعلباء بن أرقم انظر الخصائص (٢ / ٥٣) ، أمالي القالي (٢ / ٧١) ، الإنصاف (١١٩) ، شرح المفصل لابن يعيش (١٠ / ٣٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)