وأل في «الدين» للعهد ، وقيل : عوض من الإضافة أي «في دين الله».
والرّشد : مصدر رشد بفتح العين يرشد بضمها. وقرأ الحسن «الرّشد» بضمتين كالعنق ، فيجوز أن يكون هذا أصله ، ويجوز أن يكون إتباعا ، وهي مسألة خلاف أعني ضمّ عين الفعل. وقرأ أبو عبد الرحمن الرّشد بفتح الفاء والعين ، وهو مصدر رشد بكسر العين يرشد بفتحها ، وروي عن أبي عبد الرحمن أيضا : «الرّشاد» بالألف.
قوله : (مِنَ الْغَيِ) متعلّق بتبيّن ، و «من» للفصل والتمييز كقولك : ميّزت هذا من ذاك. وقال أبو البقاء : «في موضع نصب على أنه مفعول» وليس بظاهر لأنّ معنى كونه مفعولا به غير لائق بهذا المحلّ. ولا محلّ لهذه الجملة من الإعراب ، لأنها استئناف جار مجرى التعليل لعدم الإكراه في الدين. والغيّ : مصدر غوى بفتح العين قال : (فَغَوى)(١) ، ويقال : «غوى الفصيل» إذا بشم وإذا جاع أيضا ، فهو من الأضداد. وأصل الغيّ : «غوي» فاجتمعت الياء والواو ، فأدغمت نحو : ميت وبابه.
قوله : (بِالطَّاغُوتِ) متعلّق ب «يكفر» ، والطاغوت بناء مبالغة كالجبروت والملكوت. واختلف فيه ، فقيل : هو مصدر في الأصل ولذلك يوحّد ويذكّر ، كسائر المصادر الواقعة على الأعيان ، وهذا مذهب الفارسي ، وقيل : هو اسم جنس مفرد ، فلذلك لزم الإفراد والتذكير ، وهذا مذهب سيبويه. وقيل هو جمع ، وهذا مذهب المبرد ، وهو مؤنث بدليل قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها)(٢). واشتقاقه من طغى يطغى ، أو من طغا يطغو ، على حسب ما تقدّم أول السورة؟ هل هو من ذوات الواو أو من ذوات الياء؟ وعلى كلا التقديرين فأصله طغيوت أو طغووت لقولم «طغيان» في معناه ، فقلبت الكلمة بأن قدّمت اللام وأخّرت العين ، فتحرّك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفا ، فوزنه الآن فلعوت ، وقيل : تاؤه ليست زائدة ، وإنما هي بدل من لام الكلمة ، ووزنه فاعول. قال مكي : «وقد يجوز أن يكون أصل لامه واوا فيكون أصله طغووتا لأنه يقال : طغى يطغى ويطغو ، وطغيت وطغوت ، ومثله في القلب والاعتلال والوزن : حانوت ، لأنه من حنا يحنو وأصله حنووت ، ثم قلب وأعلّ ، ولا يجوز أن يكون من : حان يحين لقولهم في الجمع حوانيت» انتهى. كأنّه لمّا رأى أنّ الواو قد تبدل تاء كما في تجاه وتخمة وتراث وتكأة ، ادّعى قلب الواو التي هي لام تاء ، وهذا ليس بشيء.
وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان بالله اهتماما بوجوب الكفر بالطاغوت ، وناسبه اتصاله بلفظ «الغيّ».
والعروة : موضع شدّ الأيدي ، وأصل المادة يدلّ على التعلّق ، ومنه : عروته : ألممت به متعلّقا ، واعتراه الهمّ : تعلّق به. والوثقى : فعلى للتفضيل تأنيث الأوثق ، كفضلى تأنيث الأفضل ، وجمعها على وثق نحو : كبرى وكبر ، فأمّا «وثق» بضمتين فجمع وثيق.
قوله : (لَا انْفِصامَ لَها) كقول : (لا رَيْبَ فِيهِ)(٣) والجملة فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون استئنافا فلا محلّ لها حينئذ.
__________________
(١) سورة طه ، آية (١٢١).
(٢) سورة الزمر ، آية (١٧).
(٣) سورة البقرة ، آية (٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)