والثاني : أنّ الباء للتعدية ومجرورها مفعول به في المعنى ، ولهذا قال أبو البقاء : «وإن شئت جعلتها مفعولا به».
وقوله : (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) مبتدأ وخبر ، وتحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون محلّها النصب على أنها من مقولهم.
والثاني : أنها لا محلّ لها من الإعراب ، على أنها استئناف أخبر الله تعالى بها.
(وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)(٢٥٢)
قوله تعالى : (بَرَزُوا لِجالُوتَ) : في هذه اللام وجهان :
أحدهما : أنّها تتعلّق ببرزوا.
والثاني : أنها تتعلّق بمحذوف على أنها ومجرورها حال من فاعل «برزوا» قال أبو البقاء : «ويجوز أن تكون حالا أي : برزوا قاصدين لجالوت». ومعنى برزوا صاروا إلى براز من الأرض ، وهو ما انكشف منها واستوى ، ومنه المبارزة في الحرب لظهور كلّ قرن لصاحبه. وفي ندائهم بقولهم : «ربّنا» اعتراف منهم بالعبودية وطلب لإصلاحهم لأنّ لفظة «الرب» تشعر بذلك دون غيرها ، وأتوا بلفظ «على» في قولهم : (أَفْرِغْ عَلَيْنا) طلبا لأن يكون الصبر مستعليا عليهم وشاملا لهم كالظرف.
قوله تعالى : «والهزم» : أصله الكسر ، ومنه «سقاء متهزّم» و «قصب متهزّم» أي متكسّر. قوله : (بِإِذْنِ اللهِ) فيه الوجهان المتقدّمان أعني كونه حالا أو مفعولا به. و «ممّا يشاء» فاعل «يشاء» ضمير الله تعالى. وقيل : ضمير داود والأول أظهر.
قوله : (وَلَوْ لا دَفْعُ) قرأ نافع هنا ، وفي الحج (١) : «دفاع» والباقون : «دفع». فأمّا «دفع» فمصدر دفع يدفع ثلاثيا. وأمّا «دفاع» فيحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون مصدر دفع الثلاثي أيضا نحو : كتب كتابا ، وأن يكون مصدر «دافع» نحو : قاتل قتالا ، قال أبو ذؤيب :
|
١٠٣٢ ـ ولقد حرصت بأن أدافع عنهم |
|
فإذا المنيّة أقبلت لا تدفع (٢) |
و «فاعل» هنا بمعنى فعل المجرد فتتّحد القراءتان في المعنى.
__________________
(١) الآية رقم (٤٠).
(٢) انظر ديوان الهذليين (١ / ٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)