والثاني : أنه مشتق من الطول ، ووزنه فعلوت كرهبوت ورحموت ، وأصله طولوت ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وكأنّ الحامل لهذا القائل بهذا القول ما روي في القصة أنه كان أطول رجل في زمانه ، إلا أنّ هذا القول مردود بأنه لو كان مشتقا من الطول لكان ينبغي أن ينصرف ، إذ ليس فيه إلا العلمية. وقد أجابوا عن هذا بأنه وإن لم يكن أعجميا ولكنه شبيه بالأعجمي ، من حيث إنه ليس في أبنية العرب ما هو على هذه الصيغة ، وهذا كما قالوا في حمدون وسراويل ويعقوب وإسحق عند من جعلهما من سحق وعقب وقد تقدم.
قوله : (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ) «أنّى» فيه وجهان :
أحدهما : أنها بمعنى كيف ، وهذا هو الصحيح.
والثاني : أنها بمعنى من أين ، أجازه أبو البقاء ، وليس المعنى عليه. ومحلّها النصب على الحال ، وسيأتي الكلام في عاملها ما هو؟ و «يكون» فيها وجهان :
أحدهما : أنها تامة ، و «الملك» فاعل بها و «له» متعلق بها ، و «علينا» متعلق بالملك ، تقول : «فلان ملك على بني فلان أمرهم» فتتعدى هذه المادة ب «على» ، ويجوز أن تتعلّق بمحذوف على أنه حال من «الملك» ، و «يكون» هي العاملة في «أنّى» ، ولا يجوز أن يعمل فيها أحد الظرفين ، أعني «له» و «علينا» لأنه عامل معنوي والعامل المعنوي لا تتقدّم عليه الحال على المشهور.
والثاني : أنها ناقصة و «له» الخبر» ، و «علينا» متعلق : إمّا بما تعلّق به هذا الخبر ، أو بمحذوف على أنه حال من «الملك» كما تقدّم ، والعامل في هذه الحال «يكون» عند من يجيز في «كان» الناقصة أن تعمل في الظرف وشبهه ، وإمّا بنفس الملك كما تقدّم تقريره ، والعامل في «أنّى» ما تعلّق به الخبر أيضا ، ويجوز أن يكون «علينا» هو الخبر ، و «له» نصب على الحال ، والعامل فيه الاستقرار المتعلّق به الخبر ، كما تقدم تقريره ، أو «يكون» عند من يجيز ذلك في الناقصة. ولم أر من جوّز أن تكون «أنى» في محلّ نصب خبرا ل «يكون» بمعنى «كيف يكون الملك علينا له» ولو قيل به لم يمتنع معنى ولا صناعة.
قوله : (وَنَحْنُ أَحَقُ) جملة حالية ، و «بالملك» و «منه» كلاهما متعلق ب «أحقّ». (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً) هذه الجملة الفعلية عطف على الاسمية قبلها ، فهي في محلّ نصب على الحال ، ودخلت الواو على المضارع لكونه منفيا و «سعة» مفعول ثان ليؤت ، والأول قام مقام الفاعل.
و «سعة» وزنها «علة» بحذف الفاء وأصلها «وسعة» وإنما حذفت الفاء في المصدر حملا له على المضارع ، وإنما حذفت في المضارع لوقوعها بين ياء ـ وهي حرف المضارعة ـ وكسرة مقدرة ، وذلك أنّ «وسع» مثل «وثق» ، فحقّ مضارعه أن يجيء على يفعل بكسر العين ، وإنما منع ذلك في «يسع» كون لامه حرف حلق ففتح عين مضارعه لذلك ، وإن كان أصلها الكسر ، فمن ثمّ قلنا : بين ياء وكسرة مقدرة ، والدليل على ذلك أنهم قالوا : وجل يوجل فلم يحذفوها لمّا كانت الفتحة أصلية غير عارضة ، بخلاف فتحة «يسع» و «يهب» وبابهما.
فإن قيل : قد رأيناهم يحذفون هذه الواو وإن لم تقع بين ياء وكسرة ، وذلك إذا كان حرف المضارعة همزة نحو : «أعد» أو تاء نحو : «تعد» أو نونا نحو : «نعد» ، وكذلك في الأمر والمصدر نحو : «عد عدة حسنة» فالجواب أنّ ذلك بالحمل على المضارع مع الياء طردا للباب ، كما تقدّم لنا في حذف همزة أفعل إذا صار مضارعا لأجل همزة
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)