والثالث : ـ وهو أضعفها ـ مذهب الطبري أنّ ثمّ واوا محذوفة قبل قوله : «أن لا نقاتل». قال : «تقديره : وما لنا ولأن لا نقاتل ، كقولك : إياك أن تتكلّم ، أي : إياك وأن تتكلم ، فحذفت الواو ، وهذا كما ترى ضعيف جدا. وأمّا قوله : «إنّ قولهم إياك أن تتكلم على حذف الواو» فليس كما زعم ، بل «إياك» ضمّنت معنى الفعل المراد به التحذير ، و «أن تتكلم» في محلّ نصب به تقديره : احذر التكلم.
قوله : (وَقَدْ أُخْرِجْنا) هذه الجملة في محلّ نصب على الحال ، والعامل فيها : «نقاتل» ، أنكروا ترك القتال وقد التبسوا بهذه الحال. وهذه قراءة الجمهور ، أعني بناء الفعل للمفعول. وقرأ عمرو بن عبيد : «أخرجنا» على البناء للفاعل. وفيه وجهان :
أحدهما : أنه ضمير الله تعالى ، أي : وقد أخرجنا الله بذنوبنا.
والثاني : أنه ضمير العدوّ.
(وَأَبْنائِنا) عطف على «ديارنا» أي : ومن أبنائنا ، فلا بدّ من حذف مضاف تقديره : «من بين أبنائنا» كذا قدّره أبو البقاء. وقيل : إنّ هذا على القلب ، والأصل : وقد أخرج أبناؤنا منا ، ولا حاجة إلى هذا.
قوله : (إِلَّا قَلِيلاً) نصب على الاستثناء المتصل من فاعل «تولّوا» والمستثنى لا يكون مبهما ، لو قلت : «قام القوم إلا رجالا» لم يصحّ ، وإنما صحّ هذا لأنّ «قليلا» في الحقيقة صفة لمحذوف ، ولأنه قد تخصّص بوصفه بقوله : «منهم» ، فقرب من الاختصاص بذلك.
وقرأ أبي : «إلّا أن يكون قليل منهم» وهو استثناء منقطع ، لأنّ الكون معنى من المعاني والمستثنى منه جثث. وهذه المسألة تحتاج إلى إيضاحها لكثرة فائدتها. وذلك أنّ العرب تقول : «قام القوم إلا أن يكون زيد وزيدا» بالرفع والنصب ، فالرفع على جعل «كان» تامة ، و «زيد» فاعل ، والنصب على جعلها ناقصة ، و «زيدا» خبرها ، واسمها ضمير عائد على البعض المفهوم من قوة الكلام ، والتقدير : قام القوم إلا أن يكون هو ـ أي بعضهم ـ زيدا ، والمعنى : قام القوم إلا كون زيد في القائمين ، وإذا انتفى كونه قائما انتفى قيامه ، فلا فرق من حيث المعنى بين العبارتين ، أعني «قام القوم إلا زيدا» و «قاموا إلا أن يكون زيدا» ، إلا أن الأول استثناء متصل ، والثاني منقطع لما تقدّم تقريره.
(وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)(٢٤٧)
قوله تعالى : (طالُوتَ مَلِكاً) : «مَلِكاً» حال من (طالُوتَ) فالعامل في الحال «بعث». و «طالوت» فيه قولان :
أظهرهما : أنه اسم أعجميّ فلذلك لم ينصرف للعلتين ، أعني العلمية والعجمة الشخصية.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)