واعلم أنّ في المفعل من يفعل بكسر العين اليائيها ثلاثة مذاهب :
أحدها : أنه كالصحيح ، فتفتح عينه مرادا به المصدر وتكسر مرادا به الزمان والمكان.
والثاني : أن يتخيّر بين الفتح والكسر في المصدر خاصة ، كما جاء هنا : المحيض والمحاض ، ووجه هذا القول أنه كثر هذان الوجهان : أعني الكسر والفتح فاقتاسا.
والثالث : أن يقتصر على السماع ، فيما سمع فيه الكسر أو الفتح لا يتعدّى. فالمحيض المراد به المصدر ليس بمقيس على المذهبين الأول والثالث ، مقيس على الثاني. ويقال : امرأة حائض ولا يقال : «حائضة» إلا قليلا ، أنشد الفراء :
|
٩٥٥ ـ ............... |
|
كحائضة يزنى بها غير طاهر (١) |
والمعروف أن النّحويين فرّقوا بين حائض وحائضة : فالمجرد من تاء التأنيث بمعنى النسب أي : ذات حيض ، وإن لم يكن عليها حيض ، والملتبس بالتاء لمن عليها الحيض في الحال ، فيحتمل أن يكون مراد الشاعر ذلك ، وهكذا كلّ صفة مختصة بالمؤنث نحو : طامث ومرضع وشبههما.
وأصل الحيض السّيلان والانفجار ، يقال : حاض السيل وفاض ، قال الفراء : «حاضت الشجرة أي : سال صمغها» ، قال الأزهري : «ومن هذا قيل للحوض : حيض ، لأنّ الماء يسيل إليه» والعرب تدخل الواو على الياء ، والياء على الواو ، لأنهما من حيّز واحد وهو الهواء. والظاهر أن المحيض في هذه الآية يراد به المصدر وإليه ذهب الزمخشري وابن عطية ، قال ابن عطية : «والمحيض مصدر كالحيض ، ومثله : «المقيل» من قال يقيل ، قال الراعي :
|
٩٥٦ ـ بنيت مرافقهنّ فوق مزلّة |
|
لا يستطيع بها القراد مقيلا (٢) |
وكذلك قال الطبري : «إنّ المحيض اسم كالمعيش اسم العيش» وأنشد لرؤبة :
|
٩٥٧ ـ إليك أشكو شدّة المعيش |
|
ومرّ أعوام نتفن ريشي (٣) |
وقيل : المحيض في الآية المراد به اسم موضع الدم وعلى هذا فهو مقيس اتّفاقا ، ويؤيّد الأول قوله : «قل هو أذى». وقد يجاب عنه بأنّ ثمّ حذف مضاف أي : هو ذو أذى. ويؤيّد الثاني قوله : (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ). ومن حمله على المصدر قدّر هنا حذف مضاف أي : فاعتزلوا وطء النساء في زمان الحيض ، ويجوز أن يكون المحيض الأول مصدرا والثاني مكانا.
وقوله : (هُوَ أَذىً) فيه وجهان :
__________________
(١) عجز بيت وصدره :
|
٩٥٧ ـ رأيت ختون العام والعام قبله |
|
............... |
انظر المذكر والمؤنث للفراء (٥٩) ، شرح المفصل لابن يعيش (٥ / ١٠٠).
(٢) انظر ديوانه (١٢٦) ، وهو من شواهد الكتاب (٢ / ٢٤٧).
(٣) انظر ديوانه (٧٨) ، القرطبي (٣ / ٨١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)