أحدهما قاله أبو البقاء : «أن يكون ضمير الوطء الممنوع» وكأنه يقول : إن السياق يدلّ عليه وإن لم يجر له ذكر.
الثاني : أن يعود على المحيض ، قال أبو البقاء : «ويكون التقدير : «هو سبب أذى» ، وفيه نظر ، فإنّهم فسّروا الأذى هنا بالشيء القذر ، فإذا أردنا بالمحيض نفس الدم كان شيئا مستقذرا فلا حاجة إلى تقدير حذف مضاف.
وجاء : «ويسألونك» ثلاث مرات بحرف العطف بعد قوله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ)(١) وهي : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ)(٢) ، (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى)(٣) (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ)(٤). وجاء «يسألونك» أربع مرات من غير عطف : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ)(٥) (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ)(٦) (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ)(٧) (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ)(٨). فما الفرق؟ والجواب : أنّ السؤالات الأواخر وقعت في وقت واحد فجمع بينها بحرف الجمع وهو الواو ، أمّا السؤالات الأول فوقعت في أوقات متفرقة ، فلذلك استؤنفت كلّ جملة ، وجيء بها وحدها.
قوله : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) «حتى» هنا بمعنى «إلى» والفعل بعدها منصوب بإضمار أن ، وهو مبنيّ لاتصاله بنون الإناث.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بتشديد الطاء والهاء ، والأصل : يتطهّرن ، فأدغم. والباقون : «يطهرن» مضارع طهر. قالوا : وقراءة التشديد معناها يغتسلن ، وقراءة التخفيف معناها ينقطع دمهنّ. ورجّح الطبري قراءة التشديد وقال : «هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على تحريم قربان الرجل امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر ، وإنما الخلاف في الطهر ما هو؟ هل هو الغسل أو الوضوء أو غسل الفرج فقط؟» قال ابن عطية : «وكلّ واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء ، وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه. قال : «وما ذهب إليه الطبري من أنّ قراءة التشديد مضمّنها الاغتسال ، وقراءة التخفيف مضمّنها انقطاع الدم أمر غير لازم ، وكذلك ادعاؤه الإجماع» وفي ردّ ابن عطية عليه نظر ؛ إذ لو حملنا القراءتين على معنى واحد لزم التكرار. ورجّح الفارسي قراءة التخفيف لأنها من الثلاثي المضادّ لطمث وهو ثلاثي.
قوله : (مِنْ حَيْثُ) في «من» قولان :
أحدهما : أنّها لابتداء الغاية ، أي : من الجهة التي تنتهي إلى موضع الحيض.
والثاني : أن تكون بمعنى «في» ، أي : في المكان الذي نهيتم عنه في الحيض. ورجّح هذا بعضهم بأنه ملائم لقوله : «فاعتزلوا النساء في المحيض» ، ونظّر بعضهم هذه الآية بقوله : (لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)(٩) (ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)(١٠) أي : في يوم الجمعة وفي الأرض. قال أبو البقاء : «وفي الكلام حذف تقديره : أمركم الله
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٢١٩).
(٢) سورة البقرة ، آية (٢١٩).
(٣) سورة البقرة ، آية (٢٢٠).
(٤) سورة البقرة ، آية (٢٢٢).
(٥) سورة البقرة ، آية (١٨٩).
(٦) سورة البقرة ، آية (٢١٥).
(٧) سورة البقرة ، آية (٢١٧).
(٨) سورة البقرة ، آية (٢١٩).
(٩) سورة الجمعة ، آية (٩).
(١٠) سورة فاطر ، آية (٤٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)