وأنشد سيبويه :
|
٩٤٢ ـ فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا |
|
فاذهب فما بك والأيّام من عجب (١) |
فكثرة ورود هذا وتصرّفهم في حروف العطف ، فجاؤوا تارة بالواو ، وأخرى ب «لا» ، وأخرى ب «أم» ، وأخرى ب «بل» دليل على جوازه. وأمّا ضعف الدليل : فهو أنهم منعوا ذلك لأنّ الضمير كالتنوين ، فكما لا يعطف على التنوين لا يعطف عليه إلا بإعادة الجار. ووجه ضعفه أنه كان بمقتضى هذه العلة ألّا يعطف على الضمير مطلقا ، أعني سواء كان مرفوع الموضع أو منصوبه أو مجروره ، وسواء أعيد معه الخافض أم لا كالتنوين.
وأمّا القياس فلأنه تابع من التوابع الخمسة فكما يؤكّد الضمير المجرور ويبدل منه فكذلك يعطف عليه.
الثالث : أن يكون معطوفا على «الشهر الحرام» أي : يسألونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام. قال أبو البقاء : «وضعف هذا بأنّ القوم لم يسألوا عن المسجد الحرام إذ لم يشكّوا في تعظيمه ، وإنما سألوا عن القتال في الشهر الحرام لأنه وقع منهم ، ولم يشعروا بدخوله فخافوا من الإثم ، وكان المشركون عيّروهم بذلك «ولا يظهر ضعفه بذلك لأنه على هذا التخريج يكون سؤالهم عن شيئين ، أحدهما القتال في الشهر الحرام. والثاني : القتال في المسجد الحرام ، لأنهم لم يسألوا عن ذات الشهر ولا عن ذات المسجد ، إنما سألوا عن القتال فيهما كما ذكرتم ، فأجيبوا بأنّ القتال في الشهر الحرام كبير وصدّ عن سبيل الله تعالى ، فيكون «قتال» أخبر عنه بأنه كبير ، وبأنه صدّ عن سبيل الله ، وأجيبوا بأنّ القتال في المسجد الحرام وإخراج أهله أكبر من القتال فيه. وفي الجملة فعطفه على الشهر الحرام متكلّف جدا يبعد عنه نظم القرآن والتركيب الفصيح.
الرابع : أن يتعلّق بفعل محذوف دلّ عليه المصدر تقديره : ويصدّون عن المسجد ، كما قال تعالى : (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)(٢) قاله أبو البقاء ، وجعله جيدا. وهذا غير جيد لأنه يلزم منه حذف حرف الجر وإبقاء عمله ، ولا يجوز ذلك إلا في صور ليس هذا منها ، على خلاف في بعضها ، ونصّ النحويون على أنّه ضرورة كقوله :
|
٩٤٣ ـ إذا قيل : أيّ النّاس شرّ قبيلة |
|
أشارت كليب بالأكفّ الأصابع (٣) |
أي : إلى كليب فهذه أربعة أوجه ، أجودها الثاني.
وأمّا رفعه فوجهه أنه عطف على «وكفر به» على حذف مضاف تقديره «وكفر بالمسجد» فحذفت الباء وأضيف «كفر» إلى المسجد ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولا يخفى ما فيه من التكلّف ، إلا أنه لا تخرّج هذه القراءة الشاذة بأكثر من ذلك.
قوله : (وَإِخْراجُ أَهْلِهِ) عطف على «كفر» أو «صد» على حسب الخلاف المتقدّم ، وهو مصدر حذف فاعله ، وأضيف إلى مفعوله ، تقديره : «وإخراجكم أهله». والضمير في «أهله» و «منه» عائد على المسجد
__________________
ـ جليل. والجأب : الغليظ. والحشور : المنتفخ الجنبين. شبه نفسه به في الصلابة والشدة.
(١) البيت من شواهد الكتاب (١ / ٣٩٢) ، شرح المفصل لابن يعيش (٣ / ٧٨) ، الخزانة (٢ / ٢٣٨) ، ابن عقيل (٣ / ٥٤) ، الهمع
(١ / ١٢٠) ، الدرر (١ / ١٩٠).
(٢) سورة الفتح ، آية (٢٥).
(٣) تقدم.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)