والثاني : أنها تمييز ، ويجوز دخول «من» على مميّز «كم» استفهامية كانت أو خبرية مطلقا ، أي : سواء وليها مميّزها أم فصل بينهما بجملة أو ظرف أو جار ومجرور ، على ما قرّره النحاة. و «كم» وما في حيّزها في محلّ نصب أو خفض ، لأنها في محلّ المفعول الثاني للسؤال فإنه يتعدّى لاثنين : إلى الأول بنفسه وو إلى الثاني بحرف جر : إمّا عن وإمّا الباء نحو : سألته عن كذا وبكذا ، قال تعالى (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً)(١) ، وقد جمع بينهما في قوله :
|
٩٢٠ ـ فأصبحن لا يسألنني عن بما به |
|
............... (٢) |
وقد يحذف حرف الجرّ ، فمن ثمّ جاز في محلّ «كم» النصب والخفض بحسب التقديرين و «كم» هنا معلّقة للسؤال ، والسؤال لا يعلّق إلا بالاستفهام كهذه الآية ، وقوله تعالى : (سَلْهُمْ : أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ)(٣) وقوله :
|
٩٢١ ـ يا أيّها الرّاكب المزجي مطيّته |
|
سائل بني أسد ما هذه الصّوت (٤) |
وقال آخر :
|
٩٢٢ ـ ............... |
|
واسأل بمصقلة البكريّ ما فعلا (٥) |
وإنما علّق السؤال وإن لم يكن من أفعال القلوب ، قالوا : لأنه سبب للعلم والعلم يعلّق فكذلك سببه ، وإذا كانوا قد أجروا نقيضه في التعليق مجراه في قوله :
|
٩٢٣ ـ ومن أنتم إنّا نسينا من انتم |
|
وريحكم من أيّ ريح الأعاصر (٦) |
فإجراؤهم سببه مجراه أولى.
واختلف النحويون في «كم» : هل بسيطة أو مركبة من كاف التشبيه وما الاستفهامية حذفت ألفها لانجرارها ، ثم سكّنت ميمها ، كما سكّنّت ميم «لم» من «لم فعلت كذا» في بعض اللغات ، فركّبتا تركيبا لازما؟ والصحيح الأول. وأكثر ما تجيء في القرآن خبرية مرادا بها التكثير ولم يأت مميّزها في القرآن إلا مجرورا بمن.
قوله : (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ) «من» شرطية في محلّ رفع بالابتداء. وقد تقدّم الخلاف في خبر اسم الشرط ما هو؟ ولا بدّ للتبديل من مفعولين : مبدّل وبدل ، ولم يذكر هنا إلا أحدهما وهو المبدّل ، وحذف البدل ، وهو المفعول الثاني لفهم المعنى. وقد صرّح به في قوله : (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً)(٧) فكفرا هو المحذوف هنا. وكان قد
__________________
(١) سورة الفرقان ، آية (٥٩).
(٢) صدر بيت للأسود بن يعفر وعجزه :
|
............... |
|
أصعد في علو الهوى أم تصوّبا |
وهو من شواهد البحر (٢ / ١٢٧) ، المغني (٢ / ٣٥٤) ، الأشموني (٣ / ٨٣) ، أوضح المسالك (٢ / ٨٩) ، التصريح (٢ / ١٣٠) ، اللسان «صعد».
(٣) سورة القلم ، آية (٤٠).
(٤) البيت لرويشد الطائي انظر الحماسة (١ / ١٠٢) ، شرح المفصل لابن يعيش (٥ / ٩٥) ، الخصائص (٢ / ٤١٦) ، الدرر (٢ / ٢١٦) ، الإنصاف (٢ / ٧٧٣) ، الهمع (٢ / ١٥٧) ، المزجي اسم فاعل من أزجى يزجي ومعناه السائق. واستشهد بهذا البيت على الإشارة إلى المذكر وهو (الصوت) بإشارة المؤنث ، وإنما يفعل ذلك لأن لفظ المذكر هنا يطلق عليه لفظ المؤنث بالصيحة ونحوها وسيأتي.
(٥) عجز بيت للأخطل وصدره :
|
............... |
|
دع المغمر لا تسأل بمصرعه |
انظر ديوانه (١٥٧) ، وهو من شواهد الكتاب (٢ / ٢٩٩).
(٦) تقدم.
(٧) سورة إبراهيم ، آية (٢٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)