تقدّم عند قوله تعالى : (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا)(١) أن «بدّل» يتعدّى لاثنين أحدهما بنفسه وهو البدل وهو الذي يكون موجودا وإلى الآخر بحرف الجر وهو المبدّل وهو الذي يكون متروكا ، وقد يحذف حرف الجرّ لفهم المعنى فالتقدير هنا : «ومن يبدّل بنعمته كفرا» ، فحذف حرف الجر والبدل لفهم المعنى. ولا جائز أن تقدّر حرف الجر داخلا على «كفرا» فيكون التقدير : «ومن يبدّل بالكفر نعمة الله» لأنه لا يترتّب عليه الوعيد في قوله : (فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ). وكذلك قوله : (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ)(٢) تقديره : بسيئاتهم حسنات ، ولا يجوز تقديره : «سيئاتهم بحسنات» لأنه لا يترتّب على قوله : «إلا من تاب».
وقرئ (٣) : «يبدل» مخففا ، و «من» لابتداء الغاية. و «ما» مصدرية ، والعائد من جملة الجزاء على اسم الشرط محذوف لفهم المعنى أي : العقاب له ، أو لأنّ «أل» نابت منابه عند الكوفيين.
(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)(٢١٢)
قوله تعالى : (زُيِّنَ) : إنّما لم تلحق الفعل علامة تأنيث لكونه مؤنثا مجازيا ، وحسّن ذلك الفصل. وقرأ ابن أبي عبلة : «زيّنت» بالتأنيث مراعاة للفظ. وقرأ مجاهد وأبو حيوة : «زيّن» مبنيا للفاعل ، و «الحياة» مفعول ، والفاعل هو الله تعالى ، والمعتزلة يقولون : إنه الشيطان.
وقوله : (يَسْخَرُونَ) يحتمل أن يكون من باب عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية ، لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر ؛ فيكون من عطف المفردات ، لعدم اتّحاد الزمان. ويحتمل أن يكون «يسخرون» خبر مبتدأ محذوف ، أي : وهم يسخرون فيكون مستأنفا ، وهو من عطف الجملة الاسمية على الفعلية. وجيء بقوله : «زيّن» ماضيا دلالة على أنّ ذلك قد وقع وفرغ منه ، وبقوله : «ويسخرون» مضارعا دلالة على التّجدّد والحدوث.
قوله : (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ) مبتدأ وخبر ، و «فوق» هنا تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون ظرف مكان على حقيقتها ، لأنّ المتقين في أعلى علّيّين ، والكافرين في أسفل سجّين.
والثاني : أن تكون الفوقية مجازا : إمّا بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة ونعيم الكافرين في الدنيا. و «يوم» منصوب بالاستقرار الذي تعلّق به «فوقهم».
قوله : (مَنْ يَشاءُ) مفعول «يشاء» محذوف ، أي : من يشاء أن يرزقه. و «بغير حساب» هذا الجارّ فيه وجهان ، أحدهما : أنه زائد. والثاني : أنه غير زائد ، فعلى الأول لا تعلّق له بشيء ، وعلى الثاني هو متعلّق بمحذوف. فأمّا وجه الزيادة : فهو أنه تقدّمه ثلاثة أشياء في قوله : «والله يرزق من يشاء» الفعل والفاعل والمفعول ، وهو صالح لأن يتعلّق من جهة المعنى بكلّ واحد منها ، فإذا تعلّق بالفعل كان من صفات الأفعال ، تقديره : والله يرزق
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٥٩).
(٢) سورة الفرقان ، آية (٧٠).
(٣) انظر البحر المحيط (٢ / ١٢٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)