أو في سببيّه. ونظير ما أجازه أن تقول : «زيدا ضربت» ويكون من باب الاشتغال ، وهذا ما لا يجيزه أحد. فإن قلنا إنّ مميّزها محذوف ، وأطلقت «كم» على القوم جاز ذلك لأنّ في جملة الاشتغال ضمير الأول ، لأنّ التقدير : «كم من قوم آتيناهم» قلت : هذا الذي قاله الشيخ من كونه لا يتمشّى على كون «من آية» تمييزا قد صرّح به ابن عطية فإنه قال : «وقوله «من آية» هو على التقدير الأول مفعول ثان لآتيناهم ، وعلى الثاني في موضع التمييز» يعني بالأول نصبها على الاشتغال ، وبالثاني نصبها بما بعدها.
والثاني من وجهي كم : أن تكون في محلّ رفع بالابتداء والجملة بعدها في محلّ رفع خبرا لها والعائد محذوف تقديره : كم آتيناهموها أو آتيناهم إياها ، أجاز ذلك ابن عطية وأبو البقاء.
واستضعفه الشيخ (١) من حيث إنّ حذف عائد المبتدأ المنصوب لا يجوز إلّا في ضرورة كقوله :
|
٩١٩ ـ وخالد يحمد ساداتنا |
|
بالحقّ لا يحمد بالباطل (٢) |
أي : وخالد يحمده. وهذا نقل بعضهم ، وأمّا ابن مالك فنقل أنّ المبتدأ إذا كان لفظ «كل» أو ما أشبهها في الافتقار والعموم جاز حذف عائده المنصوب اتفاقا من البصريين والكوفيين ، ومنه : وكل (وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى)(٣) في قراءة نافع ، وإذا كان المبتدأ غير ذلك فالكوفيون يمنعون ذلك إلّا في السّعة ، والبصريّون يجيزونه بضعف ، ومنه : (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)(٤) برفع «حكم». فقد حصل أنّ الذي أجازه ابن عطية ممنوع عند الكوفيين ضعيف عند البصريين.
وهل «كم» هذه استفهامية أو خبرية؟ الظاهر الأول ، وجوّز الزمخشري فيها الوجهين :
ومنعه الشيخ (٥) من حيث إنّ «كم» الخبرية مستقلة بنفسها غير متعلقة بالسؤال ، فتكون مفلتة ممّا قبلها ، والمعنى يؤدّي إلى انصباب السؤال عليها ، وأيضا فيحتاج إلى حذف المفعول الثاني للسؤال تقديره : سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم ، ثم قال : كثيرا من الآيات التي آتيناهم ، والاستفهامية لا تحتاج إلى ذلك.
و (مِنْ آيَةٍ) فيه وجهان :
أحدهما : أنها مفعول ثان على القول بأن «كم» منصوبة على الاشتغال كما تقدّم تحقيقه ، ويكون مميّز «كم» محذوفا ، و «من» زائدة في المفعول ؛ لأنّ الكلام غير موجب إذ هو استفهام. وهذا إذا قلنا إنّ «كم» استفهامية لا خبرية ، إذ الكلام مع الخبرية إيجاب ، و «من» لا تزاد في الواجب إلا على رأي الأخفش والكوفيين ، بخلاف ما إذا كانت استفهامية.
قال الشيخ (٦) : «فيمكن أن يجوز ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ما بعده وفيه بعد ، لأنّ متعلّق الاستفهام هو المفعول الأول لا الثاني ، فلو قلت : «كم من درهم أعطيته من رجل» على زيادة «من» في «رجل» لكان فيه نظر» انتهى.
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ١٢٧).
(٢) تقدم.
(٣) سورة النساء ، آية (٩٥).
(٤) سورة المائدة ، آية (٥٠).
(٥) انظر البحر المحيط (٢ / ١٢٧).
(٦) انظر البحر المحيط (٢ / ١٢٧).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)