(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)(٢٠٨)
قوله تعالى : (مَنْ يَشْرِي) : في «من» الوجهان المتقدّمان في «من» الأولى ، ومعنى يشري : يبيع ، قال تعالى : (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ)(١) ، إن أعدنا الضمير المرفوع على الآخرة ، وقال :
|
٩٠٨ ـ وشريت بردا ليتني |
|
من بعد برد كنت هامه (٢) |
فالمعنى : يبذل نفسه في الله ، وقيل : بل هو على أصله من الشّراء ، وذلك أنّ صهيبا اشترى نفسه من قريش لمّا هاجر ، والآية نزلت فيه.
قوله : (ابْتِغاءَ) منصوب على أنه مفعول من أجله. والشروط المقتضية للنصب موجودة. والصحيح أنّ إضافة المفعول له محضة ، وخلافا للجرمي والمبرد والرياشي (٣) وجماعة من المتأخّرين. و «مرضاة» مصدر مبنيّ على تاء التأنيث كمدعاة ، والقياس تجريده عنها نحو : مغزى ومرمى.
ووقف حمزة عليها بالتاء ، وذلك لوجهين :
أحدهما أنّ بعض العرب يقف على تاء التأنيث بالتاء كما هي ، وأنشدوا :
|
٩٠٩ ـ دار لسلمى بعد حول قد عفت |
|
بل جوز تيهاء كظهر الجحفت (٤) |
وقد حكى هذه اللغة سيبويه.
والثاني : أن يكون وقف على نية الإضافة ، كأنه نوى لفظ المضاف إليه لشدة اتّصال المتضايفين فأقرّ التاء على حالها منبهة على ذلك ، وهذا كما أشمّوا الحرف المضموم ليعلموا أنّ الضّمّة كالمنطوق بها. وقد أمال الكسائي وورش «مرضات».
وفي قوله : «بالعباد» خروج من ضمير الغيبة إلى الاسم الظاهر ، إذ كان الأصل «رؤوف به» أو «بهم» ، وفائدة هذا الخروج أنّ لفظ «العباد» يؤذن بالتشريف ، أو لأنّه فاصلة فاختير لذلك.
قوله تعالى : (السِّلْمِ) : قرأ هنا «السّلم» بالفتح نافع والكسائي وابن كثير ، والباقون بالكسر ، وأمّا التي في الأنفال (٥) فلم يقرأها بالكسر إلا أبو بكر وحده عن عاصم ، والتي في القتال (٦) فلم يقرأها بالكسر إلا حمزة وأبو بكر أيضا ، وسيأتي. فقيل : هما بمعنى وهو الصلح ، ويذكّر ويؤنّث ، قال تعالى : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) ،
__________________
(١) سورة يوسف ، آية (٢٠).
(٢) البيت لابن مفرغ انظر ديوانه (٢١٣).
(٣) العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشي اللغوي النحوي وثقه الخطيب وصنف كتاب الخيل ، وكتاب الإبل وغير ذلك توفي سنة (٢٠٧) ه البغية (٢ / ٢٧ ـ ٢٨).
(٤) البيت لسؤر الذئب انظر الخصائص (١ / ٣٠٤) ، الإنصاف () ، سر الصناعة (١ / ١٧٧) ، شرح المفصل لابن يعيش (٢ / ١١٨) ، اللسان : «بلل».
(٥) سورة الأنفال ، آية (٦١).
(٦) سورة محمد ، آية (٣٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)