قوله : (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) «حسبه» مبتدأ و «جهنّم» خبره أي : كافيهم جهنّم ، وقيل : «جهنّم» فاعل ب «حسب» ، ثم اختلف القائل بذلك في «حسب» فقيل : هو بمعنى اسم الفاعل ، أي الكافي ، وهو في الأصل مصدر أريد به اسم الفاعل ، والفاعل ـ وهو جهنّم ـ سدّ مسدّ الخبر ، وقوي «حسب» لاعتماده على الفاء الرابطة للجملة بما قبلها ، وهذا كلّه معنى كلام أبي البقاء. وقيل : بل «حسب» اسم فعل ، والقائل بذلك اختلف : فقيل : اسم فعل ماض ، أي : كفاهم ، وقيل فعل أمر أي : ليكفهم ، إلّا أن إعرابه ودخول حروف الجر عليه يمنع كونه اسم فعل. وقد تلخّص ممّا تقدّم أن «حسب» هل هو بمعنى اسم الفاعل وأصله مصدر أو اسم فعل ماض أو فعل أمر؟ وهو من الأسماء اللازمة للإضافة ، ولا يتعرّف بإضافته إلى معرفة ، تقول ، مررت برجل حسبك ، وينصب عنه التمييز ، ويكون مبتدأ فيجرّ بباء زائدة ، وخبرا فلا يجرّ بها ، ولا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث وإن وقع صفة لهذه الأشياء.
و «جهنّم» اختلف الناس فيها ، فقيل : هي أعجمية وعرّبت ، وأصلها كهنام ، فمنعها من الصرف للعلمية والعجمة. وقيل : بل هي عربية الأصل ، والقائلون بذلك اختلفوا في نونها : هل هي زائدة أم أصلية؟ فالصحيح أنها زائدة ووزنها «فعنّل» مشتقة من «ركيّة جهنام» أي : بعيدة القعر ، وهي من الجهم وهو الكراهة ، وقيل : بل نونها أصليّة ووزنها فعلّل كعدبّس ، قال : لأن «فعنّلا» مفقود في كلامهم ، وجعل «زونكا» فعلّلا أيضا ، لأنّ الواو أصل في بنات الأربعة كورنتل ، لكنّ الصحيح إثبات هذا البناء ، وجاءت منه ألفاظ ، قالوا : «ضغنّط» من الضّغاطة وهي الضخامة ، و «سفنّج» و «هجنّف» للظّليم ، والزّونك : القصير سمّي بذلك لأنه ينزوك في مشيته أي : يتبختر ، قال حسان :
|
٩٠٦ ـ أجمعت أنّك أنت ألأم من مشى |
|
في فحش زانية وزوك غراب (١) |
وهذا كلّه يدلّ على أنّ النون زائدة في «زونك» وعلى هذا فامتناعها للتأنيث والعلمية.
(وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) المخصوص بالذّمّ محذوف ، أي : ولبئس المهاد جهنّم ، وحسّن حذفه هنا كون «المهاد» وقع فاصلة ، وقد تقدّم الكلام على «بئس» وخلاف الناس فيها. وحذف هذا المخصوص بذلك على أنه مبتدأ والجملة من نعم وبئس خبره ، سواء تقدّم أو تأخر ؛ لأنّا لو جعلناه خبر مبتدإ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر ، ثم حذفناه ، كنا قد حذفنا الجملة بأسرها من غير أن ينوب عنها شيء ، وأيضا فإنّه يلزم من ذلك أن تكون الجملة مفلتة ممّا قبلها إذ ليس لها موضع من الإعراب ، وليست معترضة ولا مفسّرة ولا صلة ولا مستأنفة.
والمهاد فيه قولان :
أحدهما : أنه جمع «مهد» وهو ما يوطأ للنوم.
والثاني : أنه اسم مفرد ، سمّي به الفراش الموطّأ للنوم ، وهذا من باب التهكم والاستهزاء ، أي : جعلت جهنّم لهم بدل مهاد يفترشونه وهو كقوله :
|
٩٠٧ ـ وخيل قد دلفت لها بخيل |
|
تحيّة بينهم ضرب وجيع (٢) |
أي : القائم لهم مقام التحية الضرب الوجيع.
__________________
(١) تقدم.
(٢) انظر ديوانه (٣٤٣) ، وهو من شواهد البحر (٢ / ١٠٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)