وقوله : (مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ)(١) يحتمل المعنيين. و «الحرث والنسل» وإن كانا في الأصل مصدرين فإنهما هنا واقعان موقع المفعول به.
(وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ)(٢٠٦)
قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ) : هذه الجملة الشرطية تحتمل الوجهين المتقدّمين في نظيرتها ، أعني كونها مستأنفة أو معطوفة على «يعجبك» وقد تقدّم أيضا أول السورة عند قوله : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ : لا تُفْسِدُوا)(٢) ما الذي قام مقام الفاعل؟ وخلاف الناس فيه.
قوله : (بِالْإِثْمِ) في هذه الباء ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون للتعدية وهو قول الزمخشري فإنه قال : «أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه أي : حملته العزّة على الإثم وألزمته ارتكابه».
قال الشيخ (٣) : «وباء التعدية بابها الفعل اللازم نحو : (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ)(٤) ، (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ)(٥) ، وندرت التعدية بالباء في المتعدّي نحو : «صككت الحجر بالحجر» أي : جعلت أحدهما يصكّ الآخر.
الثاني : أن تكون للسببية بمعنى أنّ إثمه كان سببا لأخذ العزّة له كما في قوله :
|
٩٠٥ ـ أخذته عزّة من جهله |
|
فتولّى مغضبا فعل الضّجر (٦) |
والثالث : أن تكون للمصاحبة فتكون في محلّ نصب على الحال ، وفيها حينئذ وجهان :
أحدهما : أن تكون حالا من «العزّة» أي : ملتبسة بالإثم.
والثاني : أن تكون حالا من المفعول أي : أخذته ملتبسا بالإثم.
وفي قوله : (الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) التتميم وهو نوع من علم البديع ، وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها اللّبس وتقرّبها من الفهم ، وذلك أنّ العزّة تكون محمودة ومذمومة. فمن مجيئها محمودة : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(٧) (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ)(٨) ، فلو أطلقت لتوهّم فيها بعض من لا عناية له المحمودة فقيل «بالإثم» تتميما للمراد فرفع اللّبس بها.
__________________
ـ أي : خلصي قلبي من قلبك بمعنى :
|
إن كان في خلقي ما ترتضينه |
|
فاقطعي أمري من أمرك |
(١) سورة الأنبياء ، آية (٩٦).
(٢) سورة البقرة ، آية (١١).
(٣) انظر البحر المحيظ (٢ / ١١٧).
(٤) سورة البقرة ، آية (١٧).
(٥) سورة البقرة ، آية (٢٠).
(٦) البيت من شواهد البحر (٢ / ١١٧).
(٧) سورة المنافقون ، آية (٨).
(٨) سورة المائدة ، آية (٥٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)