وحكى سيبويه : «تشيطن» أي فعل فعل الشياطين فهذا كله يدل على أنه من «شطن» لثبوت النون وسقوط الألف في تصاريف الكلمة ووزنه على هذا : فيعال. وقيل : هو مشتق من شاط يشيط أي هاج واحترق ولا شك أن هذا المعنى موجود فيه فأخذوا بذلك أنه مشتق من هذه المادة لكن لم يسمع في تصاريفه إلا ثابت النون محذوف الألف كما تقدم ووزنه على هذا فعلان ويترتب على القولين : صرفه وعدم صرفه إذا سمي به وأما لم يسم به فإنه منصرف ألبتة لأن من شرط امتناع فعلان الصفة ألا يؤنث بالتاء وهذا يؤنث بها قالوا : شيطانة.
«الرجيم» نعت له على الذم. وفائدة النعت : إما إزالة اشتراك عارض في معرفة نحو : رأيت زيدا العاقل وإما تخصص نكرة نحو : رأيت رجلا تاجرا وإما لمجرد مدح أو ذم أو ترحم نحو مررت بزيد المسكين وقد يأتي لمجرد التوكيد نحو قوله تعالى : (نَفْخَةٌ واحِدَةٌ)(١).
ولا بد من ذكر قاعدة في النعت تعم فائدتها أعلم أن النعت إن كان مشتقا بقياس وكان معناه لمتبوعه لزم أن يوافقه في أربعة من عشرة أعني في واحد من ألقاب الإعراب : الرفع والنصب والجر وفي واحد من الإفراد والتثنية والجمع وفي واحد من التذكير والتأنيث وفي واحد من التعريف والتنكير وإن كان معناه لغير متبوعه وأفقه في اثنين من خمسة في واحد من ألقاب الإعراب وفي واحد من التعريف والتنكير نحو : مررت برجلين عاقلة أمهما فلم يتبعه في تثنية ولا تذكير.
وإذا اختصرت ذلك كله فقل : النعت يلزم أن يتبع منعوته في اثنين من خمسة مطلقا : في واحد من ألقاب الإعراب وفي واحد من التعريف والتنكير وفي الباقي كالفعل يعني أنك تضع موضع النعت فعلا فيهما ظهر في الفعل ظهر في النعت مثاله ما تقدم في : مررت برجلين عاقلة أمهما لأنك تقول : برجلين عقلت أمهما. والرجيم قد تبع موصوفه في أربعة من عشرة لما عرفت.
وهو مشتق من الرجم والرجم أصله الرمي بالرجام وهي الحجارة ويستعار الرجم للرمي بالظن والتوهم. قال زهير (٢) :
|
٥ ـ وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم |
|
وما هو عنها بالحديث المرجّم (٣) |
أي : المظنون ويعبر به أيضا عن الشتم قال تعالى : (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) قيل : أقول فيك قولا سيئا. والمراجعة : المسابة الشديدة استعارة كالمقاذفة قال الراغب : «والترجمان : تفعلان من ذلك» كأنه يعني أنه يرمي بكلام من يترجم عنه إلى غيره. والرجمة أحجار القبر ثم عبر بها عنه وفي الحديث : «لا ترجموا قبري» أي لا تضعوا عليه الرجمة. والرجيم فعيل بمعنى مفعول أي مرجوم نحو : قتيل وجريح ويجوز أن يكون بمعنى فاعل لأنه يرجم غيره بالشر ولكنه بمعنى مفعول أكثر وإن كان غير مقيس.
__________________
(١) سورة الحاقة ، آية (١٣).
(٢) زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني ، من مضر ، حكيم الشعراء في الجاهلية ، توفي قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة. الأغاني (١٠ / ٢٨٨) ، شرح زهير لثعلب (٥٥) ، جمهرة الأنساب (٢٥) ، الشعر والشعراء (٤٤) ، الأعلام (٣ / ٥٢).
(٣) انظر ديوانه (١٠٧) ، والحديث المرجم : الذي يرجم فيه بالظنون يقول : ليست الحرب إلا ما حربتم وذقتم من أهوالها ، وليس هذا الأمر بالحديث الذي لا تعلم حقيقته ، بل هو شيء ملموس عرفتموه وذقتم ويلاته وشروره ونتائجه.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)