ذلك في كتب النحو ، وقد بيّنت ذلك في «شرح التسهيل» فليلتفت إليه.
وإنّما وصفت الأيام ب «أخر» من حيث إنها جمع ما لا يعقل ، وجمع ما لا يعقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة ومعاملة جمع الإناث ، فمن الأول : (وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى)(١) ، ومن الثاني هذه الآية ونظائرها ، وإنما أوثر هنا معاملته معاملة الجمع لأنه لو جيء به مفردا فقيل : عدّة من أيام أخرى لأوهم أنه وصف لعدّة فيفوت المقصود.
قوله : (يُطِيقُونَهُ) الجمهور على «يطيقونه» من أطاق يطيق ، مثل أقام يقيم. وقرأ حميد : «يطوقونه» من أطوق ، كقولهم : أطول في أطال ، وأغول في أغال ، وهذا تصحيح شاذ ، ومثله في الشذوذ من ذوات الواو : أجود بمعنى أجاد ، ومن ذوات الياء : أغيمت السماء وأجيلت ، وأغيلت المرأة ، وأطيبت ، وقد جاء الإعلال في الكلّ وهو القياس ، ولم يقل بقياس نحو : «أغيمت» و «أطول» إلا أبو زيد.
وقرأ ابن عباس وابن مسعود : «يطوّقونه» مبنيا للمفعول من طوّق مضعفا على وزن قطّع. وقرأت عائشة وابن دينار : «يطّوّقونه» بتشديد الطاء والواو من أطوق ، وأصله تطوّق ، فلمّا أريد إدغام التاء في الطاء قلبت طاء ، واجتلبت همزة الوصل لتمكّن الابتداء بالساكن ، وقد تقدّم تقرير ذلك في قوله : (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما)(٢). وقرأ عكرمة وطائفة : «يطّيّقونه» بفتح الياء وتشديد الطاء والياء ، وتروى عن مجاهد أيضا. وقرئ أيضا هكذا لكن ببناء الفعل للمفعول.
وقد ردّ بعض الناس هذه القراءة. وقال ابن عطية : «تشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف» وإنما قالوا ببطلان هذه القراءة لأنها عندهم من ذوات الواو وهو الطّوق ، فمن أين تجيء الياء؟ وهذه القراءة ليست باطلة ولا ضعيفة ، ولها تخريج حسن : وهو أنّ هذه القراءة ليست من تفعّل حتى يلزم ما قالوه من الإشكال ، وإنما هي من تفيعل ، والأصل : تطيوق من الطّوق ، كتديّر وتحيّر من الدّوران ، والحور ، والأصل : تديور وتحيور ، فاجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، فكان الأصل : يتطيوقونه ، ثم أدغم بعد القلب ، فمن قرأه «يطّيّقونه» بفتح الياء بناه للفاعل ، ومن ضمّها بناه للمفعول. وتحتمل قراءة التشديد في الواو أو الياء أن تكون للتكلف ، أي : يتكلّفون إطاقته ، وذلك مجاز من الطّوق الذي هو القلادة ، كأنه بمنزلة القلادة في أعناقهم.
وأبعد من زعم أنّ «لا» محذوفة قبل «يطيقونه» وأنّ التقدير : «لا يطيقونه» ونظّره بقوله :
|
٨٤٤ ـ فحالف فلا والله تهبط تلعة |
|
من الأرض إلّا أنّت للذّلّ عارف (٣) |
وقوله :
|
٨٤٥ ـ آليت أمدح مغرما أبدا |
|
يبقى المديح ويذهب الرّفد (٤) |
وقوله :
|
٨٤٦ ـ فقلت يمين الله أبرح قاعدا |
|
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي (٥) |
__________________
(١) سورة طه ، آية (١٨).
(٢) سورة البقرة ، آية (١٥٨).
(٣) البيت من شواهد الكتاب (٣ / ١٠٥).
(٤) البيت من شواهد البحر (٢ / ٣٦).
(٥) البيت لامرئ القيس انظر ديوانه (١٢٥) ، وهو من شواهد الكتاب (٣ / ٥٠٤) ، أوضح المسالك (١ / ١٦٣) ، ـ الخصائص (٢ / ٢٨٤) ، الدرر (٢ / ٤٢) ، أبرح قاعدا : لا أبرح قاعدا مكاني ، وأوصالي : مفاصلي.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)