قوله : (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ) الجمهور على رفع «فعدّة» ، وفيه وجوه :
أحدها : أنه مبتدأ والخبر محذوف : إمّا قبله تقديره : فعليه عدّة ، أو بعده أي : فعدّة أمثل به.
الثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : فالواجب عدّة.
الثالث : أن يرتفع بفعل محذوف ، أي : فتجزيه عدّة. وقرئ (١) : «فعدّة» نصبا بفعل محذوف ، تقديره : فليصم عدّة. وكأن أبا البقاء لم يطّلع على هذه القراءة فإنه قال : «ولو قرئ بالنصب لكان مستقيما». ولا بدّ من حذف مضاف تقديره : «فصوم عدّة» ومن حذف جملة بين الفعلين ليصحّ الكلام تقديره : فأفطر فعدة ، ونظيره : (أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ)(٢) أي : فضرب فانفلق. و «عدة» بمعنى معدودة كالطّحن والذّبح. ونكّر قوله «فعدّة» ولم يقل «فعدّتها» اتّكالا على المعنى. و «من أيام» في محلّ رفع أو نصب على حسب القراءتين صفة لعدّة.
قوله : (أُخَرَ) صفة لأيّام. و «أخر» على ضربين :
ضرب : جمع «أخرى» تأنيث «آخر» الذي هو أفعل تفضيل.
وضرب جمع أخرى بمعنى آخرة ، تأنيث : «آخر» المقابل لأوّل ، ومنه قوله تعالى : (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ)(٣). فالضرب الأول لا ينصرف ، والعلة المانعة له من الصرف : الوصف والعدل.
واختلف النحويون في كيفية العدل ، فقال الجمهور : إنه عدل عن الألف واللام ، وذلك أن «أخر» جمع أخرى ، وأخرى تأنيث «آخر» وآخر أفعل تفضيل ، وأفعل التفضيل لا يخلو عن أحد ثلاثة استعمالات : إمّا مع أل وإمّا مع «من» وإمّا مع الإضافة. لكنّ «من ممتنعة لأنّها معها يلزم الإفراد والتذكير ، ولا إضافة في اللفظ ، فقدّرنا عدله عن الألف واللام ، وهذا كما قالوا في «سحر» إنه عدل عن الألف واللام إلّا أنّ هذا مع العلميّة. ومذهب سيبويه أنه عدل من صيغة إلى صيغة لأنه كان حقّ الكلام في قولك : «مررت بنسوة أخر» على وزن فعل أن يكون «بنسوة آخر» على وزن أفعل لأنّ المعنى على تقدير من ، فعدل عن المفرد إلى الجمع. ولتحقيق المذهبين موضع هو أليق به من هذا.
وأما الضّرب الثاني فهو منصرف لفقدان العلة المذكورة. والفرق بين «أخرى» التي للتفضيل و «أخرى» التي بمعنى متأخرة أنّ معنى التي للتفضيل معنى «غير» ومعنى تيك معنى متأخرة ، ولكون الأولى بمعنى «غير» لا يجوز أن يكون ما اتصل بها إلا من جنس ما قبلها نحو : «مررت بك وبرجل آخر» ولا يجوز : اشتريت هذا الجمل وفرسا آخر لأنه من غير الجنس. وأمّا قوله :
|
٨٤٣ ـ صلّى على عزّة الرّحمان وابنتها |
|
ليلى وصلّى على جاراتها الأخر (٤) |
فإنه جعل ابنتها جارة لها ، ولو لا ذلك لم يجز. ومعنى التفضيل في آخر وأوّل وما تصرّف منهما قلق ، وتحقيق
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٢).
(٢) سورة الشعراء ، آية (٦٣).
(٣) سورة الأعراف ، آية (٤٩).
(٤) البيت من شواهد البحر (٢ / ٣٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)