قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) : «الصِّيامُ» مفعول لم يسمّ فاعله وقدّم عليه هذه الفضلة وإن كان الأصل تأخيرها عنه لأنّ البداءة بذكر المكتوب عليه آكد من ذكر المكتوب لتعلّق الكتب بمن يؤدّي.
والصيام : مصدر صام يصوم صوما ، والأصل : صواما ، فأبدلت الواو ياء والصوم مصدر أيضا ، وهذان البناءان ـ أعني فعل وفعال ـ كثيران في كلّ فعل واويّ العين صحيح اللام ، وقد جاء منه شيء قليل على فعول قالوا : غار غوورا ، وإنما استكرهوه لاجتماع الواوين ، ولذلك همزه بعضهم فقال : الغؤور. والصيام لغة الإمساك عن الشيء مطلقا ، ومنه : صامت الريح : أمسكت عن الهبوب ، والفرس : أمسكت عن العدو ، قال :
|
٨٣٩ ـ خيل صيام وخيل غير صائمة |
|
تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما (١) |
وقال تعالى : (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً)(٢) أي : سكوتا لقوله : (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا). وصام النهار أي : اشتدّ حرّه ، قال :
|
٨٤٠ ـ حتّى إذا صام النّهار واعتدل |
|
ومال للشّمس لعاب فنزل (٣) |
كأنهم توهّموا ذلك الوقت إمساك الشمس عن المسير. ومصام النجوم : إمساكها عن السير ، قال امرؤ القيس :
|
٨٤١ ـ كأنّ الثّريّا علّقت في مصامها |
|
بأمراس كتّان إلى صمّ جندل (٤) |
قوله : (كَما كُتِبَ) فيه خمسة أوجه :
أحدها : أنّ محلّها النصب على نعت مصدر محذوف أي : كتب كتبا مثل ما كتب.
الثاني : أنه في محلّ حال من المصدر المعرفة أي : كتب عليكم الصيام الكتب مشبها ما كتب. و «ما» على هذين الوجهين مصدرية.
الثالث : أن يكون نعتا لمصدر من لفظ الصيام ، أي : صوما مثل ما كتب. ف «ما» على هذا الوجه بمعنى الذي ، أي : صوما مماثلا للصوم المكتوب على من قبلكم. و «صوما» هنا مصدر مؤكّد في المعنى ، لأنّ الصيام بمعنى : أن تصوموا صوما ، قاله أبو البقاء ، وفيه أنّ المصدر المؤكّد يوصف ، وقد تقدّم منعه عند قوله تعالى : (بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)(٥).
وقال الشيخ (٦) ـ بعد أن حكى هذا عن ابن عطية ـ «وهذا فيه بعد ؛ لأنّ تشبيه الصوم بالكتابة لا يصحّ ، هذا إن كانت «ما» مصدرية ، وأمّا إن كانت موصولة ففيه أيضا بعد ؛ لأنّ تشبيه الصوم بالصوم لا يصحّ إلّا على تأويل بعيد».
الرابع : أن يكون في محلّ نصب على الحال من «الصيام» ، وتكون «ما» موصولة ، أي : مشبها الذي
__________________
(١) البيت للنابغة انظر ديوانه (١١٢) ، اللسان «صوم».
(٢) سورة مريم ، آية (٢٦).
(٣) البيت من شواهد البحر (٢ / ٦).
(٤) انظر ديوانه (١١٧).
(٥) سورة البقرة ، آية (١٨٠).
(٦) انظر البحر المحيط (١ / ٢٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)