حرف جر ، ثم حمل باقي الباب عليه ، وهذا كما تقدّم في الفرق بين «أولئك» اسم إشارة و «إليك» جارا ومجرورا وقد تقدّم. وإذا سمّيت بأولي من أولي كذا قلت : جاء ألون ورأيت إلين ، بردّ النون لأنها كالمقدّرة حالة الإضافة فهو نظير : ضاربو زيد وضاربي زيد.
والألباب جمع «لبّ» وهو العقل الخالي من الهوى ، سمّي بذلك لأحد وجهين :
إمّا لبنائه من لبّ بالمكان أقام به ، وإمّا من اللّباب وهو الخالص ، يقال : لبت بالمكان ولببت بضمّ العين وكسرها ، ومجيء المضاعف على فعل بضمّ العين شاذ ، استغنوا عنه بفعل مفتوح العين ، وذلك في ألفاظ محصورة نحو : عززت وسررت ولببت ودممت ومللت ، فهذه بالضمّ وبالفتح ، إلا لببت فبالضمّ والكسر كما تقدّم.
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)(١٨٠)
قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ) : «كتب» مبنيّ للمفعول وحذف الفاعل للعلم به ـ وهو الله تعالى ـ وللاختصار. وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون «الوصية» أي : كتب عليكم الوصية ، وجاز تذكير الفعل لوجهين :
أحدهما : كون القائم مقام الفاعل مؤنثا مجازيا.
والثاني : الفصل بينه وبين مرفوعه.
والثاني : أنه الإيصاء المدلول عليه بقوله : «الوصية للوالدين» أي : كتب هو أي : الإيضاء.
والثالث : أنه الجارّ والمجرور ، وهذا يتّجه على رأي الأخفش والكوفيين. و «عليكم» في محلّ رفع على هذا القول ، وفي محلّ نصب على القولين الأوّلين.
قوله : (إِذا حَضَرَ) العامل في «إذا» «كتب» على أنها ظرف محض ، وليس متضمنا للشرط ، كأنه قيل : كتب عليكم الوصية وقت حضور الموت ، ولا يجوز أن يكون العامل فيه لفظ «الوصية» لأنها مصدر ، ومعمول المصدر لا يتقدّم عليه لانحلاله لموصول وصلة إلا على مذهب من يرى التوسّع في الظرف وعديله ، وهو أبو الحسن ، فإنه لا يمنع ذلك ، فيكون التقدير : كتب عليهم أن توصوا وقت حضور الموت.
وقال ابن عطية : «ويتّجه في إعراب هذه الآية أن يكون «كتب هو العامل في «إذا» ، والمعنى : توجّه عليكم إيجاب الله ومقتضى كتابه إذا حضر ، فعبّر عن توجّه الإيجاب بكتب ، لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل ، و «الوصية» مفعول لم يسمّ فاعله بكتب. وجواب الشرطين «إن» و «إذا» مقدر يدلّ عليه ما تقدّم من قوله كتب».
قال الشيخ (١) : «وفي هذا تناقض لأنه جعل العامل في «إذا» كتب ، وذلك يستلزم أن يكون «إذا» ظرفا محضا
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ١٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)