|
٨٣٢ ـ فإنّك والتّأبين عروة بعد ما |
|
دعاك وأيدينا إليه شوارع |
|
لكالرّجل الحادي وقد تلع الضّحى |
|
وطير المنايا فوقهنّ أواقع (١) |
فالضمير في «فوقهنّ» للإبل ، لدلالة لفظ «الحادي» عليها لأنها تصاحبه بوجه ما.
قوله : (ذلِكَ تَخْفِيفٌ) الإشارة بذلك إلى ما شرعه من العفو والدية و «من ربكم» في محلّ رفع لأنه صفة لما قبله فيتعلّق بمحذوف. و «رحمة» صفتها محذوفة أيضا أي : ورحمة من ربكم.
وقوله : (فَمَنِ اعْتَدى) يجوز في «من» الوجهان الجائزان في قوله : «فمن عفي له» من كونها شرطية وموصولة ، وجميع ما ذكر ثمّة يعود هنا.
قوله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) يجوز أن يكون «لكم» الخبر وفي القصاص يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لكم» ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنّه حال من «حياة» ، لأنه كان في الأصل صفة لها ، فلمّا قدّم عليها نصب حالا ، ويجوز أن يكون «في القصاص» هو الخبر ، و «لكم» متعلق بالاستقرار المتضمّن له ، وقد تقدّم تحقيق ذلك في قوله : (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) ، (٢) وهناك أشياء لا تجيء هنا.
وقرأ أبو الجوزاء (٣) «في القصص» والمراد به القرآن. قال ابن عطية : «ويحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص ، أي : إنه إذا قصّ أثر القاتل قصصا قتل كما قتل».
والقصاص مصدر قصّ أي : تتّبع ، وهذا أصل المادة ، فمعنى القصاص تتبّع الدم بالقود ، ومنه «القصيص» لما يتتبّع من الكلأ بعد رعيه ، والقصص تتبّع الأخبار ومثله القصّ ، والقصّ أيضا الجصّ ، ومنه الحديث : «نهى عليه الصلاة والسّلام عن تقصيص القبور» (٤) أي تجصيصها.
ونظير هذا الكلام قول العرب : «القتل أوفى للقتل» ويروى أنفى للقتل ، ويروى : أكفّ للقتل. وهذا وإن كان بليغا فقد أبدت العلماء بينه وبين الآية الكريمة وجوها عديدة في البلاغة وجدت في الآية الكريمة دونه ، منها : أنّ في قولهم تكرار الاسم في جملة واحدة. ومنها : أنه لا بدّ من تقدير حذف لأنّ «أنفى» و «أوفى» و «أكفّ» أفعل تفضيل فلا بدّ من تقدير المفضّل عليه ، أي : أنفى للقتل من ترك القتل. ومنها : أنّ القصاص أعمّ إذ يوجد في النفس وفي الطّرف. والقتل لا يكون إلا في النفس. ومنها : أنّ ظاهر قولهم كون وجود الشيء سببا في انتفاء نفسه. ومنها : أنّ في الآية نوعا من البديع يسمّى الطباق وهو مقابلة الشيء بضده فهو يشبه قوله تعالى : (أَضْحَكَ وَأَبْكى)(٥).
قوله : (يا أُولِي الْأَلْبابِ) منادى مضاف وعلامة نصبه الياء. واعلم أن «أولي» اسم جمع لأنّ واحده وهو «ذو» من غير لفظه ، ويجري مجرى جمع المذكر السالم في رفعه بالواو ونصبه وجرّه بالياء المكسور ما قبلها ، وحكمه في لزوم الإضافة إلى اسم جنس حكم مفرده. وقد تقدّم في قوله : (ذَوِي الْقُرْبى)(٦) ، ويقابله في المؤنث : أولات. وكتبا في المصحف بواو بعد الهمزة قالوا : ليفرّقوا بين «أولي كذا» في النصب والجر وبين «إلى» التي هي
__________________
(١) البيت من شواهد العيني (٣ / ٥٢٤) ، الدرر (٢ / ١٢٥) ، اللسان «وقع».
(٢) سورة البقرة ، آية (٣٦).
(٣) وهو أوس بن عبد الربعي توفي سنة ٨٣ ه انظر ترجمته في التهذيب (١ / ٣٨٤).
(٤) أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٧) ، كتاب الجنائز (٩٥ ـ ٩٧).
(٥) سورة النجم ، آية (٤٣).
(٦) سورة البقرة ، آية (١٧٧).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)