حرّة ، وجمعها على «حرائر» محفوظ أيضا ، يقال : حرّ الغلام يحرّ حرّيّة.
قوله : (فَمَنْ عُفِيَ) يجوز في «من» وجهان :
أحدهما : أن تكون شرطية.
والثاني : أن تكون موصولة. وعلى كلا التقديرين فموضعهما رفع بالابتداء ، وعلى الأول يكون «عفي» في محلّ جزم بالشرط ، وعلى الثاني لا محلّ له ، وتكون الفاء واجبة في قوله : «فاتّباع» على الأول ، ومحلّها وما بعدها الجزم ، وجائزة في الثاني ، ومحلّها وما بعدها الرفع على الخبر. والظاهر أنّ «من» هو القاتل ، والضمير في «له» و «أخيه» عائد على «من» و «شيء» هو القائم مقام الفاعل ، والمراد به المصدر ، وبني «عفي» للمفعول وإن كان قاصرا ، لأنّ القاصر يتعدّى للمصدر كقوله : (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ)(١). والأخ هو المقتول أو وليّ الدم ، وسمّاه أخا للقاتل استعطافا له عليه ، وهذا المصدر القائم مقام الفاعل المراد به الدم المعفوّ عنه. وعفا يتعدّى إلى الجاني وإلى الجناية ب «عن» ، تقول : عفوت عن زيد ، وعفوت عن ذنب زيد ، فإذا عدّي إليهما معا تعدّى إلى الجاني باللام وإلى الجناية بعن ، تقول : عفوت لزيد عن ذنبه ، والآية من هذا الباب أي : فمن عفي له عن جنايته. وقيل «من» هو وليّ الدم ، أي : من جعل له من دم أخيه بدل الدم وهو القصاص أو الدّية والمراد ب «شيء» حينئذ ذلك المستحقّ ، والمراد بالأخ المقتول ، ويحتمل أن يراد به على هذا القول أيضا القاتل ، ويراد بالشيء الدية و «عفي» بمعنى يسّر على هذين القولين ، وقيل : بمعنى ترك.
وشنّع الزمخشري على من فسّر «عفي» بمعنى «ترك» قال : فإن قلت : هلّا فسّرت «عفي» بمعنى «ترك» حتى يكون «شيء» في معنى المفعول به. قلت : لأنّ عفا الشيء بمعنى تركه ليس يثبت ، ولكن «أعفاه» ومنه : «وأعفوا اللّحى» (٢) فإن قلت : قد ثبت قولهم : عفا أثره إذا محاه وأزاله ، فهلّا جعلت معناه : فمن محي له من أخيه شيء. قلت : عبارة قلقة في مكانها ، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها ، وترى كثيرا ممّن أن يكون خبر «الأداء» كما تقدّم في الوجه الرابع من رفع «أداء». والهاء في يتعاطى هذا العلم يجترئ إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله على اختراع لغة وادّعاء على العرب ما لم تعرفه ، وهذه جرأة يستعاذ بالله منها».
قال الشيخ (٣) : «إذا ثبت أنّ «عفا» بمعنى محا فلا يبعد حمل الآية عليه ، ويكون إسناد «عفا» لمرفوعه إسنادا حقيقيا ؛ لأنه إذ ذاك مفعول به صريح ، وإذا كان لا يتعدّى كان إسناده لمرفوعه مجازا لأنّه مصدر مشبّه بالمفعول به ، فقد يتعادل الوجهان : أعني كون عفا اللازم لشهرته في الجنايات و «عفا» المتعدّي بمعنى «محا» لتعلقه بمرفوعه تعلقا حقيقيا» فإن قيل : تضمّن «عفا» معنى «ترك» فالجواب أنّ التضمين لا ينقاس ، وقد أجاز ابن عطية أن يكون عفا بمعنى ترك. وقيل إن «عفي» بمعنى فضل ، والمعنى : فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الدّيات ، من قولهم : عفا الشيء إذا كثر. وأظهر هذه الأقوال أوّلها.
__________________
(١) سورة الحاقة ، آية (١٣).
(٢) تقدم.
(٣) انظر البحر المحيط (٢ / ١٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)