و (حِينَ الْبَأْسِ) منصوب بالصابرين ، أي : الذين صبروا وقت الشدة.
والبأساء والضراء فيهما قولان :
أحدهما : ـ وهو المشهور ـ أنهما اسمان مشتقان من البؤس والضرّ ، وألفهما للتأنيث.
والثاني : أنهما وصفان قائمان مقام موصوف. والبؤس والبأساء : الفقر ، يقال : بئس يبأس إذا افتقر. قال الشاعر :
|
٨٣١ ـ ولم يك في بؤس إذا بات ليلة |
|
يناغي غزالا ساجي الطّرف أكحلا (١) |
وأما البأس فشدة القتال خاصة ، بؤس الرجل أي : شجع.
قوله : (أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) مبتدأ وخبر ، وأتى بخبر «أولئك» الأولى موصولا بصلة وهي فعل ماض لتحقّق اتّصافهم به ، وأنّ ذلك قد وقع منهم واستقرّ ، وأتى بخبر الثانية بموصول صلته اسم فاعل ليدلّ على الثبوت ، وأنه ليس متجدّدا بل صار كالسّجيّة لهم ، وأيضا فلو أتى به فعلا ماضيا لما حسن وقوع فاصلة.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(١٧٩)
قوله تعالى : (الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) : أي : بسبب القتلى ، و «في» تكون للسببية كقوله عليهالسلام : «إنّ امرأة دخلت النار في هرة» (٢) أي : بسببها. و «فعلى» يطّرد أن يكون جمعا لفعيل بمعنى مفعول وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله : (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى)(٣).
قوله : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) مبتدأ وخبر ، والتقدير : الحرّ مأخوذ بالحرّ ، أو مقتول بالحرّ ، فتقدّر كونا خاصا حذف لدلالة الكلام عليه ، فإن الباء فيه للسبب ، ولا يجوز أن تقدّره كونا مطلقا ، إذ لا فائدة فيه لو قلت : الحرّ كائن بالحر ، إلا أن تقدّر مضافا ، أي : قتل الحرّ كائن بالحر.
وأجاز الشيخ (٤) أن يكون «الحرّ» مرفوعا بفعل محذوف تقديره : يقتل الحرّ بالحر ، يدلّ عليه قوله : «القصاص في القتلى» فإنّ القصاص يشعر بهذا الفعل المقدّر ، وفيه بعد.
والقصاص مصدر قاصّه يقاصّه قصاصا ومقاصّة ، نحو : قاتلته قتالا ومقاتلة ، وأصله من قصصت الشيء اتّبعت أثره ، لأنه اتباع دم المقتول.
والحرّ وصف ، و «فعل» الوصف جمعه على أفعال لا ينقاس ، قالوا : حرّ وأحرار ، ومرّ وأمرار ، والمؤنثة
__________________
(١) البيت من شواهد البحر (١ / ٤٩٧) ، وانظر اللسان «نغي»
(٢) تقدم.
(٣) سورة البقرة ، آية (٨٥).
(٤) انظر البحر المحيط (٢ / ١٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)