قوله : (وَأَقامَ الصَّلاةَ) عطف على صلة «من» وهي : آمن وآتى ، وإنما قدّم الإيمان لأنه رأس الأعمال الدينية ، وثنّى بإيتاء المال لأنه أجلّ شيء عند العرب وبه يتمدّحون ويفتخرون بفكّ العاني (١) وقرى الضّيفان ، ينطق بذلك نظمهم ونثرهم.
قوله : (وَالْمُوفُونَ) في رفعه ثلاثة أوجه :
أحدها : ـ ولم يذكر الزمخشري غيره ـ أنه عطف على «من آمن» ، أي : ولكنّ البرّ المؤمنون والموفون.
والثاني : أن يرتفع على خبر مبتدإ محذوف ، أي : هم الموفون. وعلى هذين الوجهين فنصب «الصابرين» على المدح بإضمار فعل ، وهو في المعنى عطف على «من آمن» ، ولكن لمّا تكرّرت الصفات خولف بين وجوه الإعراب. قال الفارسي : «وهو أبلغ لأنّ الكلام يصير على جمل متعددة ، بخلاف اتفاق الإعراب فإنه يكون جملة واحدة ، وليس فيها من المبالغة ما في الجمل المتعددة.
فإن قيل : لم لا يجوز على هذين الوجهين أن يكون معطوفا على «ذوي القربى» أي : وآتى المال الصابرين؟ قيل : لئلّا يلزم من ذلك محذور وهو الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه الذي هو في حكم الصلة بأجنبي وهو الموفون.
والثالث : أن يكون «الموفون» عطفا على الضمير المستتر في «آمن» ، ولم يحتج إلى التأكيد بالضمير المرفوع المنفصل لأنّ طول الكلام أغنى عن ذلك. وعلى هذا الوجه يجوز في «الصابرين» وجهان :
أحدهما : النصب بإضمار فعل كما تقدّم.
والثاني : العطف على «ذوي القربى» ، ولا يمنع من ذلك ما تقدّم من الفصل بالأجنبي ، لأنّ الموفين على هذا الوجه داخل في الصلة فهو بعضها لا أجنبيّ منها.
وقوله : (إِذا عاهَدُوا) «إذا» منصوب بالموفون ، أي : الموفون وقت العهد من غير تأخير الوفاء عن وقته.
وقرأ الحسن والأعمش ويعقوب : «والصابرون» ، وحكى الزمخشري قراءة : «والموفين» و «الصابرين».
قال الراغب : وإنما لم يقل : «وأوفى» كما قال «وأقام» لأمرين :
أحدهما : اللفظ ، وهو أنّ الصلة متى طالت كان الأحسن أن تعطف على الموصول دون الصلة لئلا تطول وتقبح.
والثاني : أنه ذكر في الأول ما هو داخل في حيّز الشريعة وغير مستفاد إلّا منها ، والحكمة العقلية تقتضي العدالة دون الجور ، ولمّا ذكر وفاء العهد وهو ممّا تقضي به العقول المجردة صار عطفه على الأول أحسن ، ولمّا كان الصبر من وجه مبدأ الفضائل ومن وجه جامعا للفضائل إذ لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ غيّر إعرابه على هذا المقصد» وهذا كلام حسن طائل.
__________________
(١) الأسير.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)