أحدها : أنه فاعل بفعل محذوف ، أي : وجب لهم ذلك.
والثاني : أنّ «ذلك» مبتدأ ، و «بأنّ الله» خبره ، أي : ذلك العذاب مستحقّ بما أنزل الله في القرآن من استحقاق عذاب الكافر.
والثالث : أنه خبر والمبتدأ محذوف ، أي الأمر ذلك ، والإشارة إلى العذاب ، ومن قاله بأنه نصب قدّره : فعلنا ذلك ، والباء متعلقة بذلك المحذوف ومعناها السببية.
قوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا) : قرأ الجمهور برفع «البر» ، وحمزة وحفص عن عاصم بنصبه. فقراءة الجمهور على أنه اسم «ليس» ، و «أن تولّوا» خبرها في تأويل مصدر ، أي : ليس البرّ توليتكم. ورجّحت هذه القراءة من حيث إنه ولي الفعل مرفوعه قبل منصوبه. وأمّا قراءة حمزة وحفص فالبرّ خبر مقدّم ، و «أن تولّوا» اسمها في تأويل مصدر. ورجّحت هذه القراءة بأنّ المصدر المؤول أعرف من المحلّى بالألف واللام ، لأنه يشبه الضمير من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به ، والأعرف ينبغي أن يجعل الاسم ، وغير الأعرف الخبر. وتقديم خبر ليس على سمها قليل حتى زعم منعه جماعة ، منهم ابن درستويه (١) قال : لأنها تشبه «ما» الحجازية ، ولأنها حرف على قول جماعة ، ولكنه محجوج بهذه القراءة المتواترة وبقول الشاعر :
|
٨٢٧ ـ سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم |
|
وليس سواء عالم وجهول (٢) |
وقال آخر :
|
٨٢٨ ـ أليس عظيما أن تلمّ ملمّة |
|
وليس علينا في الخطوب معوّل (٣) |
وفي مصحف أبيّ وعبد الله : «بأن تولّوا» بزيادة الباء وهي واضحة ، فإنّ الباء تزاد في خبر «ليس» كثيرا.
وقوله : (قِبَلَ) منصوب على الظرف المكاني بقوله : «تولّوا» ، وحقيقة قولك : «زيد قبلك» : أي في المكان الذي قبلك فيه ، وقد يتسّع فيه فيكون بمعنى «عند» نحو : «قبل زيد دين» أي : عنده دين.
قوله : (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ) في هذه الآية خمسة أوجه :
أحدها : أنّ «البرّ» اسم فاعل من برّ يبرّ فهو برّ ، والأصل : برر بكسر الراء الأولى بزنة «فطن» ، فلما أريد الإدغام نقلت كسرة الراء إلى الباء بعد سلبها حركتها ، فعلى هذه القراءة لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويل لأنّ البرّ من صفات الأعيان ، كأنه قيل : ولكن الشخص البرّ من آمن.
الثاني : أنّ في الكلام حذف مضاف من الأول تقديره : «ولكنّ ذا البرّ من آمن».
__________________
(١) عبد الله بن جعفر بن درستويه ـ بضم الدال والراء وضبطه ابن ماكولا بالفتح صنف الإرشاد في النحو ، وشرح الفصيح توفي سنة ٣٤٧ ه البغية (٢ / ٣٦).
(٢) البيت للسموأل بن عادياء شرح ابن عقيل (١ / ٢٧٣) ، العيني (٢ / ٧٦) ، الأشموني (١ / ٢٣٢) ، (يدنس) ، الدنس : هو الوسخ والقذر ، (اللؤم) اسم جامع للخصال الدنيئة ومقابح الصفات (الضيم) ، الظلم.
(٣) البيت لعروة بن الورد انظر ديوانه (١٣١) ، وهو من شواهد البحر (٢ / ٣) ، الحماسة (١ / ٥٩٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)