على التجدد والحدوث ، وإسناد الجري إليها مجازا ، وقوله في البحر توكيد إذ معلوم أنها لا تجري في غيره فهو كقوله «يطير بجناحيه».
قوله : (بِما يَنْفَعُ) في «ما» قولان :
أحدهما : أنها موصولة اسمية ، وعلى هذا الباء للحال أي : تجري مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس.
الثاني : أنها حرفية ، وعلى هذا تكون الباء لسبب أي : تجري بسبب نفع الناس في التجارة وغيرها.
قوله : (مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ) : من الأولى معناها ابتداء الغاية أي : أنزل من جهة السماء ، وأما الثانية فتحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون لبيان الجنس ، فإن المنزل من السماء ماء وغيره.
والثاني : أن تكون للتبعيض ، فإن المنزل منه بعض لا كل.
والثالث : أن تكون هي وما بعدها بدلا من قوله : «من السماء» بدل اشتمال بتكرير العامل ، وكلاهما أعنى ـ من الأولى ومن الثانية ـ متعلقتان بأنزل. فإن قيل : كيف تعلق حرفان متحدان بعامل واحد؟ فالجواب أن الممنوع من ذلك أن يتحدا معنى من غير عطف ولا بدل ، ولا تقول : أخذت من الدراهم من الدنانير ، وأما الآية فإن المحذور فيها منتف ، وذلك أنك إن جعلت «من» الثانية للبيان أو التبعيض فظاهر لاختلاف معناهما ، فإن الأولى للابتداء ، وإن جعلتها لابتداء الغاية فهي وما بعدها بدل ، والبدل يجوز ذلك «فيه» كما تقدم ، ويجوز أن تتعلق «من» الأولى بمحذوف على أنها حال : إما من الموصول نفسه ، وهو «ما» أو من ضميره المنصوب بأنزل أي : وما أنزله الله حال كونه كائنا من السماء.
قوله : (فَأَحْيا بِهِ) عطف «أحيا» على «أنزل» الذي هو صلة بفاء التعقيب دلالة على سرعة النبات و «به» متعلق بأحيا ، والباء يجوز أن تكون للسبب ، وأن تكون باء الآلة وكل هذا مجاز ، فإنه متعال عن ذلك ، والضمير في «به» يعود على الموصول.
قوله : (وَبَثَّ فِيها) يجوز في «بث» وجهان :.
أظهرهما : أنه عطف على «أنزل» داخل تحت حكم الصلة ، لأن قوله «فأحيا» عطف على «أنزل» فاتصل به وصارا جميعا كالشيء الواحد ، وكأنه قيل : وما أنزل في الأرض من ماء ، وبث فيها من كل دابة ، لأنهم ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا ، هذا نص الزمخشري.
والثاني : أنه عطف على أحيا ، واستشكل الشيخ (١) عطفه عليها لأنها صلة للموصول ، فلا بد من ضمير يرجع من هذه الجملة ، وليس ثم ضمير في اللفظ لأن «فيها» يعود على الأرض ، فبقي أن يكون محذوفا تقديره : وبث به فيها ، ولكن لا يجوز حذف الضمير المجرور بحرف إلا بشروط : أن يكون الموصول مجرورا بمثل ذلك الحرف ، وأن يتحد متعلقهما ، وأن لا يحصر الضمير ، وأن يتعين للربط ، وألا يكون الجار قائما مقام مرفوع ، والموصول هنا غير
__________________
(١) انظر البحر المحيط (١ / ٤٦٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)