وقد تقدم اشتقاق هذه المادة ، وأنها تدل على الاتساع ومنه : «النهار» لاتساع ضوئه عند قوله : (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ)(١) والاختلاف مصدر مضاف لفاعله ، المراد باختلافهما أن كل واحد يخلف الآخر ، ومنه : (جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً)(٢) وقال زهير :
|
٧٩١ ـ بها العين والآرام يمشين خلفة |
|
وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم (٣) |
وقال الآخر :
|
٧٩٢ ـ ولها بالماطرون إذا |
|
أكل النّمل الّذي جمعا |
|
خلفة حتّى إذا ارتبعت |
|
سكنت من جلّق بيعا (٤) |
وقدم الليل على النهار لأنه سابقه قال ـ تعالى ـ : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ)(٥) وهذا أصح القولين ، وقيل : النور سابق الظلمة ، وينبني على هذا الخلاف فائدة : وهي أن الليلة هي تابعة لليوم قبلها أو لليوم بعدها؟ فعلى القول الصحيح تكون الليلة لليوم بعدها ، فيكون اليوم تابعا لها ، وعلى القول الثاني تكون لليوم قبلها فتكون الليلة تابعة له ، فيوم عرفة على القول الأول مستثنى من الأصل فإنه تابع لليلة بعده ، وعلى الثاني جاء على الأصل قوله : «والفلك» عطف على «خلق» المجرور ب «في» لا على «السموات» المجرورة بالإضافة ، والفلك يكون واحدا كقوله : (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)(٦) وجميعا كقوله : (فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ)(٧) فإذا أريد به الجمع ففيه أقوال :
أحدها : قوله سيبويه ، وهو الصحيح أنه جمع تكسير فإن قيل : جمع تكسير لا بد فيه من تغير ما ، فالجواب أن تغييره مقدر ، فالضمة في حال كونه جمعا كالضمة في «حمر» و «ندب» وفي حال كونه مفردا كالضمة في قفل ، وإنما حمل سيبويه على هذا ، ولم يجعله مشتركا بين الواحد والجمع نحو : «جنب» و «شلل» أنهم لو قصدوا الاشتراك لم يثنوه كما لا يثنون جنبا وشللا ، فلما ثنوه وقالوا : فلكان علمنا أنهم لم يقصدوا الاشتراك الذي قصدوه في جنب وشلل ، ونظيره : ناقة هجان ، ونوق هجان ، ودرع دلاص ، ودروع دلاص ، فالكسرة في المفرد كالكسرة في كتاب ، وفي الجمع كالكسرة في رجال ، لأنهم قالوا في التثنية هجانان ودلاصان.
الثاني : مذهب الأخفش أنه اسم جمع كصحب وركب.
الثالث : أنه جمع فلك بفتحتين كأسد وأسد ، واختار الشيخ (٨) أنه مشترك بين الواحد والجمع ، وهو محجوج بما تقدم من التثنية ، ولم يذكر لاختياره وجها. وإذا أفرد «فلك» فهو مذكر قال ـ تعالى ـ : (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) قالوا : ومنهم أبو البقاء : ويجوز تأنيثه مستدلين بقوله : (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي) فوصفه بصفة التأنيث ، ولا دليل في ذلك لاحتمال أن يراد به الجمع ، وحينئذ فيوصف بما توصف به المؤنثة الواحدة. وأصله : من الدوران ومنه : «فلك السماء» لدوران النجوم فيه ، وفلكة المغزل ، وفلكت الجارية استدار نهدها ، وجاء بصلة «التي» فعلا مضارعا ليدل
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٢٥).
(٢) سورة الفرقان ، آية (٦٢).
(٣) انظر ديوانه (١٠٣) ، وقوله (خلفة) ، أي إذا ذهب منها قطيع خلف مكانه قطيع آخر.
(٤) البيتان لأبي دهبل الجحمي انظر الكامل (١ / ٢١٨) ، اللسان والتاج «مطر».
(٥) سورة يس ، آية (٣٧).
(٦) سورة الشعراء ، آية (١١٩).
(٧) سورة يونس ، آية (٢٢).
(٨) انظر البحر المحيط (١ / ٤٥٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)