ألزمه إلا أن إغراء الغائب ضعيف ، حكى سيبويه : «عليه رجلا ليسنى» قال : وهو شاذ ، ومنها أن «أن يطوف» في محل رفع خبرا ثانيا ل «لا» والتقدير : فلا جناح الطواف بهما ، ومنها : «أن يطوف» في محل نصب على الحال من الهاء في عليه ، والعامل في الحال العامل في الخبر ، والتقدير : فلا جناح عليه في حال تطوافه بهما ، وهذان القولان ساقطان ذكرتهما تنبيها على غلطهما ، ولا فائدة في ذكر وجه الغلط إذ هو واضح بأدنى نظر ، وقراءة الجمهور «أن يطوف» بغير لا ، وقرأ أنس (١) وابن عباس وابن سيرين (٢) وشهر بن حوشب (٣) : «أن لا يطوف» قالوا : وكذلك في مصحفي أبي وعبد الله ، وفي هذه القراءة احتمالان :
أحدهما : أنها زائدة كهي في قوله : «أن لا تسجد» (٤) وقوله :
|
٧٨٦ ـ وما ألوم البيض ألّا تسخرا |
|
لمّا رأين الشّمط القفندرا (٥) |
وحينئذ يتحد معنى القراءتين.
الثاني : أنها غير زائدة بمعنى أن رفع الجناح في فعل الشيء ، هو رفع في تركه ، إذ هو تخير بين الفعل والترك نحو : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا)(٦) فتكون قراءة الجمهور فيها رفع الجناح في فعل الطواف نصا ، وفي هذه رفع الجناح في الترك نصا.
وقرأ الجمهور : «يطّوّف» بتشديد الطاء والواو ، والأصل : يتطوف ، وماضيه كان أصله : «تطوف» فلما أريد الإدغام تخفيفا قلبت التاء طاء وأدغمت في الطاء فاحتيج إلى همزة وصل لسكون أوله لأجل الإدغام ، فأتى بها فجاء مضارعه عليه : يطوف ، فانحذفت همزة الوصل لتحصن الحرف المدغم بحرف المضارعة ، ومصدره على التطوف رجوعا إلى أصل تطوف ، وقرأ أبو السمال : «يطوف» مخففا من طاف يطوف وهي سهلة ، وقرأ ابن عباس : «يطّاف» بتشديد الطاء مع الألف ، وأصله يطتوف على وزن يفتعل ، وماضيه : اطتوف افتعل تحركت الواو وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، ووقعت تاء الافتعال بعد الطاء ، فوجب قلبها طاء وإدغام الطاء فيها كما قالوا : اطلب يطلب والأصل : اطتلب يتطلب فصار : اطّاف ، وجاء مضارعه عليه : يطّاف هذا هو تصريف هذه اللفظة من كون تاء الافتعال تقلب طاء وتدغم فيها الطاء الأولى ، وقال ابن عطية : فجاء يطتاف أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني في الأول ، كما جاء في «مدكر» ومن لم يجز ذلك قال : قلبت التاء طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء ، وفي هذا نظر لأن الأصل أدغم في الزائد وذلك ضعيف. وهذا الذي قاله ابن عطية فيه خطأ من وجهين :
أحدهما : كونه يدعي إدغام الثاني في الأول ، وذلك لا نظير له إنما يدغم الأول في الثاني.
والثاني : أنه قال كما جاء في «مدكر» لأنه كان ينبغي على قوله أن يقال : مذكر بالذال المعجمة ، وهذه لغة
__________________
(١) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري أبو ثمامة أبو حمزة. صاحب رسول الله صلىاللهعليهوسلم وخادمه وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة ٩٣ ه ابن سعد (٧ / ١٠) ، صفة الصفوه (١ / ٢٩٨) ، الأعلام (٢ / ٢٤).
(٢) محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء ، أبو بكر إمام وقته في علوم الدين بالبصرة تابعي ثقة توفي سنة ١١٠ ه تهذيب التهذيب (٩ / ٢١٤) ، حلية الأولياء (٢ / ٢٦٣).
(٣) شهر بن حوشب الأشعري فقيه قارئ من رجال الحديث شامي الأصل سكن بغداد توفي سنة ١٠٠ ه تهذيب التهذيب (٤ / ٣٦٩) ، الأعلام (٣ / ١٧٨).
(٤) سورة الأعراف ، آية (١٢).
(٥) تقدم.
(٦) سورة البقرة ، آية (٢٣٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)