بفتحها وتخفيف اللام على أنها للاستفتاح ، فأما قراءة الجمهور فاختلف النحويون في تأويلها على أربعة أقوال :
أظهرها : وهو اختيار الطبري وبدأ به ابن عطية ولم يذكر الزمخشري غيره ، أنه استثناء متصل ، قال الزمخشري : ومعناه لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين : ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه وحبا لهم ، وأطلق على قولهم «حجة» لأنهم ساقوه مساق الحجة ، وقال ابن عطية : المعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا من اليهود وغيرهم ، الذين تكلموا في النازلة وسماها حجة ، وحكم بفسادها حين كانت من ظالم.
الثاني : أنه استثناء منقطع فيقدر ب «لكن» عند البصريين ، وببل عند الكوفيين ، لأنه استثناء من غير الأول ، والتقدير لكن الذين ظلموا فإنهم يتعلقون عليكم بالشبهة يضعونها موضع الحجة ، ومثار الخلاف هو : هل الحجة هو الدليل الصحيح أو الاحتجاج صحيحا كان أو فاسدا؟ فعلى الأول يكون منقطعا ، وعلى الثاني يكون متصلا.
الثالث : وهو قول أبي عبيدة أن «إلا» بمعنى الواو العاطفة ، وجعل من ذلك قوله :
|
٧٧٨ ـ وكلّ أخ مفارقه أخوه |
|
لعمر أبيك إلّا الفرقدان (١) |
وقول الآخر :
|
٧٧٩ ـ ما بالمدينة دار غير واحدة |
|
دار الخليفة إلّا دار مروانا (٢) |
تقدير ذلك عنده : ولا الذين ظلموا ـ والفرقدان ـ ودار مروان وقد خطأه النحاة في ذلك كالزجاج وغيره.
الرابع : أن «إلا» بمعنى بعد أي : بعد الذين ظلموا ، وجعل منه قول الله تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى)(٣) وقوله تعالى : (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ)(٤) تقديره : بعد الموتة ، وبعد ما قد سلف ، وهذا من أفسد الأقوال وأنكرها ، وإنما ذكرته لغرض التنبيه على ضعفه.
و «الذين» في محل نصب على الاستثناء على القولين اتصالا وانقطاعا ، وأجاز قطرب أن يكون في موضع جر بدلا من ضمير الخطاب في عليكم ، والتقدير : لئلا تثبت حجة للناس على غير الظالمين منهم ، وهم أنتم أيها المخاطبون بتولية وجوهكم إلى القبلة ، ونقل عنه أنه كان يقرأ : «إلا على الذين» كأنه يكرر العامل في البدل على حد قوله : (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ)(٥) وهذا عند جمهور البصريين ممتنع لأنه يؤدي إلى بدل ظاهر من ضمير حاضر ، بدل كل من كل ، ولم يجزه من البصريين إلا الأخفش ، وتأول غيره ما ورد من ذلك.
وأما قراءة ابن عباس ف «ألا» للاستفتاح وفي محل «الذين» حينئذ ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه مبتدأ وخبره قوله : «فلا تخشوهم» وإنما دخلت الفاء على الخبر ، لأن الموصول تضمن معنى الشرط والماضي الواقع صلة مستقبل معنى ، كأنه قيل : من يظلم الناس فلا تخشوهم ، ولو لا دخول الفاء ، لترجح
__________________
(١) تقدم.
(٢) البيت للفرزدق وليس في ديوانه وهو من شواهد الكتاب (١ / ٣٧٣) ، المقتضب (٤ / ٤٢٥) ، القرطبي (٢ / ١١٤).
(٣) سورة الدخان ، آية (٥٦).
(٤) سورة النساء ، آية (٢٢).
(٥) سورة الأعراف ، آية (٧٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)