والاصطفاء : الاختيار افتعال من صفوة الشيء وهي خياره ، وأصله : اصتفى إنما قلبت تاء الافتعال طاء مناسبة للصاد ، لكونها حرف أطباق ، وتقدم ذلك عند قوله : «أضطره» (١) وأكد جملة اصطفاء باللام ، والثانية بإن واللام ، لأن الثانية محتاجة لمزيد تأكيد ، وذلك أن كونه في الآخرة من الصالحين أمر مغيب فاحتاج الإخبار به إلى فضل توكيد ، وأما اصطفاء الله له فقد شاهدوه منه ، ونقله جيل بعد جيل.
(إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(١٣٢)
قوله تعالى : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ) : في «إذ» خمسة أوجه :
أصحها أنه منصوب ب «قال أسلمت» أي : قال أسلمت وقت قول الله له أسلم.
الثاني : أنه بدل من قوله «في الدنيا».
الثالث : أنه منصوب باصطفيناه.
الرابع : أنه منصوب ب «اذكر» مقدرا ذكر ذلك أبو البقاء والزمخشري ، وعلى تقدير كونه معمولا لاصطفيناه أو ل «اذكر» مقدرا يبقى قوله : «قال أسلمت» غير منتظم مع ما قبله ، إلا أن يقدر حذف حرف عطف أي : فيقال : أو يجعل جوابا لسؤال مقدر أي : ما كان جوابه؟ فقيل : قال أسلمت.
الخامس : أبعد بعضهم فجعله مع ما بعده في محل نصب على الحال ، والعامل فيه «اصطفيناه».
وفي قوله : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ) التفات إذ لو جاء على نسقه لقيل : إذ قلنا لأنه بعد ولقد اصطفيناه ، وعكسه في الخروج من الغيبة إلى الخطاب ، قوله :
|
٧٣٤ ـ باتت تشكّى إليّ النّفس مجهشة |
|
وقد حملتك سبعا بعد سبعينا (٢) |
وقوله : (لِرَبِّ الْعالَمِينَ) فيه من الفخامة ما ليس في قوله «لك» أو «لربي» لأنه إذا اعترف بأنه رب جميع العالمين ، اعترف بأنه ربه وزيادة بخلاف الأول ، فلذلك عدل عن العبارتين ، وفي قوله : «أسلم» حذف مفعول تقديره : أسلم لربك.
قوله تعالى : (وَوَصَّى) : قرئ من وصى ، وفيه معنى التكثير باعتبار المفعول الموصى ، وأوصى رباعيا وهي قراءة نافع وابن عامر ، وكذلك هي في مصاحف المدينة والشام ، وقيل أوصى ووصى بمعنى.
والضمير في «بها» فيه ستة أقوال :
أحدها : أنه يعود على الملة في قوله : «ومن يرغب عن ملة إبراهيم».
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (١٢٦).
(٢) البيت للبيد انظر ديوانه (٣٥٢) ، وهو من شواهد البحر (١ / ٣٩٥) ، الطبري (١ / ٥٢) ، الأضداد (١١٧).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)