أعني : مجيئهما مضارعين وقوله : (بِخَيْرٍ مِنْها) متعلق بنأت وفي «خير» هنا قولان :
الظاهر منهما : أنها على بابها من كونها للتفضيل ، وذلك أن الآتي به إن كان أخف من المنسوخ أو المنسوء فخيرته بالنسبة إلى سقوط أعباء التكليف وإن كان أثقل فخيّريته بالنسبة إلى سقوط أعباء التكليف وإن كان أثقل فخيرتيه بالنسبة إلى زيادة الثواب وقوله : «أو مثلها» أي في التكليف والثواب ، وهذا واضح.
والثاني : أن «خيرا» هنا مصدر وليس من التفضيل في شيء ، وإنما هو خير من الخيور ، كخير في قوله : (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)(١) «ومن» لابتداء الغاية ، والجار والمجرور صفة لقوله «خير» أي : خير صادر من جهتها ، والمعنى عند هؤلاء : ما ننسخ من آية أو نؤخرها نأت بخير من الخيور من جهة المنسوخ أو المنسوء. وهذا بعيد جدا لقوله بعد ذلك : (أَوْ مِثْلِها) فإنه لا يصح عطفه على «بخير» على هذا المعنى ، اللهم إلا أن يقصد بالخير عدم التكليف ، فيكون المعنى : نأت بخير من الخيور وهو عدم التكليف أو نأت بمثل المنسوخ أو المنسوء. وأما عطف «مثلها» على الضمير في «منها» فلا يجوز إلا عند الكوفيين ، لعدم إعادة الخافض وقوله : «ما ننسخ» فيه التفات من غيبة إلى تكلم ، ألا ترى أن قبله «والله يختص» ، «والله ذو الفضل».
والنسخ لغة : الإزالة بغير بدل يعقبه ، نسخت الريح الأثر ، والشمس الظل ، أو نقل الشيء من غير إزالة «نحو» : نسخت الكتاب ، وقال بعضهم : «والنسخ : الإزالة وهو في اللغة على ضربين : ضرب فيه إزالة شيء وإقامة غيره مقامه نحو : «نسخت الشمس الظل» فإنها أزالته وقامت مقامه ، ومنه (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ)(٢).
والثاني : أن يزيله ولا يقوم شيء مقامه ، نحو : نسخت الريح الأثر ، ومنه : فينسخ الله ما يلقي الشيطان ، والنسيئة : التأخير كما تقدم ، والإمضاء أيضا قال :
|
٦٧٧ ـ أمون كألواح الإران نسأتها |
|
على لاحب كأنّه ظهر برجد (٣) |
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ)(١٠٨)
قوله تعالى : (أَلَمْ تَعْلَمْ) : هذا استفهام معناه التقرير ، فلذلك لم يحتج إلى معادل يعطف عليه ب «أم» وأم في قوله : (أَمْ تُرِيدُونَ).
منقطعة هذا هو الصحيح في الآية. قال ابن عطية : «ظاهره الاستفهام المحض ، فالمعادل هنا على قول جماعة : أم تريدون ، وقال قوم : أم منقطعة ، فالمعادل محذوف تقديره : أم علمتم ، هذا إذا أريد بالخطاب أمته ـ عليهالسلام ـ أما إذا أريد هو به ، فالمعادل محذوف لا غير ، وكلا القولين مروي» انتهى.
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (١٠٥).
(٢) سورة الحج ، آية (٥٢).
(٣) البيت لطرفة بن العبد انظر ديوانه (٢٠) ، شرح القصائد العشر (١٤١) ، وهو من شواهد البحر (١ / ٣٣٧).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)