الثالثة عشرة : «ما ننسك من آية أو ننسخها نجيء بمثلها» وهي قراءة الأعمش ، وهكذا ثبتت في مصحف عبد الله.
فأما قراءة الهمز على اختلاف وجوهها فمعناها التأخير من قولهم : نسأ الله وأنسأ الله في أجلك أي : أخره ، وبعته نسيئة أي متأخرا ، وتقول العرب : نسأت الإبل عن الحوض انسؤها نسئا ، وأنسا الإبل : إذا أخرها عن ورودها يومين فأكثر ، فمعنى الآية على هذا فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : نؤخر نسخها ونزولها وهو قول عطاء (١).
والثاني : نمحها لفظا وحكما وهو قول ابن زيد (٢).
الثالث : نمضها فلا ننسخها ، وهو قول أبي عبيد ، وهو ضعيف لقوله : نأت بخير منها ، لأن ما أمضى وأقر لا يقال فيه : نأت بخير منه.
وأما قراءة غير الهمز على اختلاف وجوهها أيضا ففيها احتمالان :
أظهرهما : أنها من النسيان ، وحينئذ يحتمل أن يكون المراد به في بعض القراءات ضد الذكر ، وفي بعضها الترك.
والثاني : أن أصله الهمز من النسيء ، وهو التأخير إلا أنه أبدل من الهمزة ألف ، فحينئذ تتحد القراءتان ثم من قرأ من القراء : «ننساها» من الثلاثي فواضح. وأما من قرأ منهم من أفعل ، وهم نافع وابن عامر والكوفيون فمعناه عندهم : ننسكها أي : نجعلك ناسيا لها ، أو يكون المعنى : نأمر بتركها يقال : أنسيته الشيء أي أمرته بتركه ، ونسيته تركته وأنشدوا :
|
٦٧٦ ـ إنّ عليّ عقبة أقضيها |
|
لست بناسيها ولا منسيها (٣) |
أي : لا تاركها ولا أمرا بتركها ، وقد تكلم الزجاج في هذه القراءة فقال : «هذه القراءة لا يتوجه فيها معنى الترك» ، لا يقال : أنسى بمعنى ترك.
قال الفارسي وغيره : «ذلك متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها» وقد ضعف الزجاج أيضا أن تحمل الآية على معنى النسيان ضد الذكر ، وقال : «إن هذا لم يكن له ـ عليهالسلام ـ ولا نسي قرآنا» واحتج بقوله ـ تعالى ـ : (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)(٤) أي لم نفعل شيئا من ذلك. وأجاب الفارسي عنه بأن معناه لم نذهب بالجميع.
وهذا نهاية ما وقعت عليه من كلام الناس.
قوله : (نَأْتِ) هو جواب الشرط ، وجاء فعل الشرط والجزاء مضارعين ، وهذا التركيب أفصح التراكيب ؛
__________________
(١) عطاء بن أسلم بن صفوان تابعي ثقة من أجلاء الفقهاء توفي بمكة سنة ١١٤ ه تذكرة الحفاظ (١ / ٩٢) ، التهذيب (٧ / ١٩٩) ، الأعلام (٤ / ٢٣٥).
(٢) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم المدنيّ روى عن أبيه وابن المنكدر وعنه أصبغ وقتيبة وهشام له التفسير والناسخ والمنسوخ مات سنة اثنين وثمانين ومائة أخرج له الترمذي وابن ماجه. طبقات المفسرين (١ / ٢٦٥) ، العبر (١ / ٢٨٢) ، ميزان الاعتدال (٢ / ٥٦٤).
(٣) البيت من شواهد البحر (١ / ٣٣٤) ، القرطبي (٢ / ٤٧).
(٤) سورة الإسراء ، آية (٨٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)