والثاني : أنها جواب لو فإن «لو» تجاب بالجملة الاسمية. قال الزمخشري : أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب لو ، لما في ذلك من الدلالة على ثبوت المثوبة واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في (سَلامٌ عَلَيْكُمْ)(١) وفي وقوع جواب «لو» جملة اسمية نظر يحتاج إلى دليل غير محل النزاع.
قال الشيخ (٢) : «لم يعهد في كلام العرب وقوع الجملة الابتدائية جوابا للو» ، إنما جاء هذا المختلف في تخريجه ، ولا تثبت القواعد الكلية بالمحتمل.
والمثوبة فيها قولان :
أحدهما : أن وزنها مفعول والأصل مثووية ـ فثقلت الضمة على الواو ، فنقلت إلى الساكن قبلها ، فالتقى ساكنان فحذف أحدهما ، مثل : مقولة ومجوزة ومصون ومشوب ، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول ، فهي مصدر ، نقل ذلك الواحدي (٣).
والثاني : أنها مفعلة من الثواب بضم العين ، وإنما نقلت الضمة منها إلى الثاء ويقال : «مثوبة» بسكون الثاء وفتح الواو ، وكان من حقها الإعلال فيقال : «مثابة» كمقامة ، إلا أنهم صححوها كما صححوا في الأعلام مكوزة ، وبذلك قرأ أبو السمال وقتادة كمشورة. ومعنى «لمثوبة» أي : ثواب وجزاء من الله. وقيل : لرجعة إلى الله.
قوله : (مِنْ عِنْدِ اللهِ) في محل رفع صفة لمثوبة ، فيتعلق بمحذوف أي : لمثوبة كائنة من عند الله ، والعندية هنا مجاز كما تقدم في نظائره.
قال الشيخ (٤) : «وهذا الوصف هو المسوغ لجواز الابتداء بالنكرة» قلت : ولا حاجة إلى هذا لأن المسوغ هنا شيء آخر ، وهو الاعتماد على لام الابتداء ، حتى لو قيل في الكلام : «لمثوبة خير» من غير وصف لصح. والتنكير في «لمثوبة» يفيد أن شيئا من الثواب ـ وإن قل ـ خير فلذلك لا يقال له قليل ونظيره : (وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ)(٥).
وقوله : (خَيْرٌ) خبر لمثوبة ، وليست هنا بمعنى أفعل التفضيل ، بل هي لبيان أنها فاضلة كقوله : (أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا)(٦) (أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ)(٧).
قوله : (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) جوابها محذوف تقديره : لكان تحصيل المثوبة خيرا ، أي تحصيل أسبابها من الإيمان والتقوى ، وكذلك قدره بعضهم : لآمنوا. وفي مفعول «يعلمون» وجهان :
أحدهما : أنه محذوف اقتصارا أي : لو كانوا من ذوي العلم.
والثاني : أنه محذوف اختصارا تقديره : لو كانوا يعلمون التفضيل في ذلك أو يعلمون أن ما عند الله خير وأبقى.
١٠٤ ـ قوله تعالى : (لا تَقُولُوا راعِنا) : الجمهور على «راعنا» أمر من المراعاة وهي النظر في مصالح
__________________
(١) سورة الذاريات ، آية (٢٥).
(٢) البحر المحيط (١ / ٣٣٥).
(٣) علي بن أحمد بن محمد بن عليّ الإمام أبو الحسن الواحدي المفسر صاحب البسيط والوسيط والوجيز توفي سنة ثمان وستين وأربعمائة ، وانظر ترجمته في تحقيقنا على تفسير الوسيط ، وانظر البغية (٢ / ١٤٥).
(٤) انظر البحر المحيط (١ / ٣٣٥).
(٥) سورة التوبة ، آية (٧٢).
(٦) سورة الفرقان ، آية (٢٤).
(٧) سورة فصلت ، آية (٤٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)