الإنسان وتدبره أموره و «راعنا» يقتضي المشاركة لأن معناه : ليكن منك رعاية لنا ، وليكن منا رعاية لك ، فنهوا عن ذلك لأن فيه مساواتهم به ـ عليهالسلام ـ وقرأ الحسن وأبو حيوة : «راعنا» بالتنوين ، ووجهه أنه صفة لمصدر محذوف أي : قولا راعنا وهو على طريق النسب كلابن وتامر ، والمعنى : لا تقولوا قولا ذا رعونة. والرعونة : الجهل والحمق والهوج وأصل الرعونة : التفرق ومنه : «جيش أرعن» أي : متفرق في كل ناحية ، ورجل أرعن : أي ليس له عقل مجتمع ، وامرأة رعناء ، وقيل للبصرة : الرعناء قال :
|
٦٧١ ـ لو لا ابن عتبة عمرو والرّجاء له |
|
ما كانت البصرة والرّعناء لي وطنا (١) |
قيل : سميت بذلك لأنها أشبهت «رعن الجبل» وهو الناتئ منه ، وقال ابن فارس : «يقال : رعن الرجل يرعن رعنا» وقرأ أبي : راعونا ، وفي مصحف عبد الله خاطبوه بلفظ الجمع تعظيما ، وفي مصحف عبد الله أيضا «أرعونا» لما تقدم. والجملة في محل نصب بالقول ، وقدم النهي على الأمر لأنه من باب التروك فهو أسهل.
قوله : (انْظُرْنا) الجملة أيضا في محل نصب بالقول ، والجمهور على «انظرنا» بوصل الهمزة وضم الظاء أمرا من الثلاثي ، وهو نظر من النظرة ، وهي التأخير أي : أخرنا وتأنّ علينا ، قال امرؤ القيس :
|
٦٧٢ ـ فإنّكما إن تنظراني ساعة |
|
من الدّهر ينفعني لدى أمّ جندب (٢) |
وقيل : هو من نظر أي : أبصر ثم اتسع فيه فعدى بنفسه ، لأنه في الأصل يتعدى ب «إلى» ومنه :
|
٦٧٣ ـ ظاهرات الجمال والحسن ينظر |
|
ن كما ينظر الأراك الظّباء (٣) |
أي : إلى الأراك وقيل : من نظر أي : تفكر ثم اتسع فيه أيضا ، فإن أصله أن يتعدى بفي ، ولا بد من حذف مضاف على هذا أي : انظر في أمرنا.
وقرأ أبي والأعمش : «انظرنا» بفتح الهمزة وكسر الظاء أمرا من الرباعي بمعنى : أمهلنا وأخرنا قال الشاعر :
|
٦٧٤ ـ أبا هند فلا تعجل علينا |
|
وأنظرنا نخبّرك اليقينا (٤) |
أي : أمهل علينا ، وهذا القراءة تؤيد أن الأول من النظرة بمعنى التأخير لا من البصر ولا من البصيرة ، وهذه الآية نظير التي في الحديد : (انْظُرُونا نَقْتَبِسْ)(٥) فإنها قرئت بالوجهين.
(ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(١٠٥)
__________________
(١) البيت للفرزدق وهو من شواهد القرطبي (٢ / ٤٢).
(٢) البيت في ديوانه (٢٩) ، القرطبي (٢ / ٤٢).
(٣) البيت لعبيد الله بن قيس انظر ديوانه (٨٨) ، القرطبي (٢ / ٤٢).
(٤) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته انظر شرح المعلقات للتبريزي (٣٨٠) ، الزوزني (١٢٧) ، الشنقيطي (٩٩) ، القرطبي (٢ / ٤٢).
(٥) سورة الحديد ، آية (١٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)