«لو كانوا يعلمون»؟ قلت : معناه : لو كانوا يعملون بعلمهم جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه» وهذا بناء منه على أن الضميرين في «علموا» و «يعلمون» لشيء واحد. وأجاب غيره على هذا التقدير بأن المراد بالعلم الثاني العقل ، لأن العلم من ثمرته ، فلما انتفى الأصل انتفى ثمرته ، أو يغاير بين متعلق العلمين أي : علموا ضرره ، في الآخرة ولم يعلموا نفعه في الدنيا ، وأما إذا أعدت الضمير في «علموا» على الشياطين ، أو على من بحضرة سليمان ، أو على الملكين ، فلا إشكال لاختلاف المسند إليه العلم حينئذ.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ)(١٠٤)
قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) «ولو» هنا فيها قولان :
أحدهما : أنها على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، وسيأتي الكلام في جوابها ، وأجاز الزمخشري أن تكون للتمني أي : ليتهم آمنوا على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له ، فعلى هذا لا يلزم أن يكون لها جواب لأنها قد تجاب بالفاء حينئذ ، وفي كلامه اعتزال موضعه غير هذا الكتاب.
و «أنهم آمنوا» مؤول بمصدر ، وهو في محل رفع واختلف في ذلك على قولين :
أحدهما ـ وهو قول سيبويه ـ أنه في محل رفع بالابتداء ، وخبره محذوف تقديره : ولو إيمانهم ثابت وشذ وقوع الاسم بعد لو ، وإن كانت مختصة بالأفعال كما شذ النصب «غدوة» بعد «لدن» وقيل : لا يحتاج هذا المبتدأ إلى خبر ؛ لجريان لفظ المسند والمسند إليه في صلة «أن».
وصحح الشيخ (١) هذا في سورة النساء ، وهذا يشبه الخلاف في «أن» الواقعة بعد ظن وأخواتها ، وقد تقدم تحقيقه ـ والله أعلم ـ.
والثاني : ـ وهو قول المبرد ـ أنه في محل رفع بالفاعلية. ورافعه محذوف تقديره : ولو ثبت إيمانهم ، لأنها لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا ، وقد رد بعضهم هذا بأنه لا يضمر بعدها الفعل إلا مفسرا بفعل مثله ، وهذا يحمل على المبرد ، ولكل من القولين دلائل ليس هذا موضعها. والضمير في «أنهم» فيه قولان :
أحدهما : عائد على اليهود.
والثاني : على الذين يعلمون السحر.
قوله : (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) في هذه اللام قولان :
أحدهما : أنها لام لام الابتداء ، وأن ما بعدها استئناف إخبار بذلك ، وليس متعلقا بإيمانهم وتقواهم ولا مترتبا عليه ، وعلى هذا فجواب «لو» محذوف إذا قيل بأنها ليست للتمني ، أو قيل بأنها للتمني ويكون لها جواب تقديره : لأثيبوا.
__________________
(١) البحر المحيط (٣ / ٢٦٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)