قال الشيخ (١) : وهذا التخريج ليس بجيد ، لأن الفصل بين المتضايفين بالظرف والمجرور من ضرائر الشعر ، وأقبح من ذلك ألا يكون ثم مضاف إليه لأنه مشغول بعامل جر فهو المؤثر فيه لا ـ الإضافة ، وأما جعله حرف الجر جزءا من المجرور فليس بشيء ، «لأن هذا مؤثر فيه وجزء الشيء لا يؤثر فيه» وفي قول الشيخ نظر ، أما كون الفصل من ضرائر الشعر فليس كما قال ، لأنه قد فصل بالمفعول به في قراءة ابن عامر فبالظرف وشبهه أولى ، وسيأتي تحقيق ذلك في الأنعام.
وأما قوله : «لأن جزء الشيء لا يؤثر فيه» فإنما ذلك في الجزء الحقيقي وهذا إنما قال : ننزله منزلة الجزء ويدل على ذلك قول النحويين : الفعل كالجزء من الفاعل ، ولذلك أنث لتأنيثه ، ومع ذلك فهو مؤثر فيه.
و «من» في «من أحد» زائدة لتأكيد الاستغراق كما تقدم في «وما يعلمان من أحد» وينبغي أن يجيء قول أبي البقاء. أن أحدا يجوز أن يكون بمعنى واحد ، والمعهودة زيادة «من» في المفعول لفعل منفي نحو : «ما ضربت من أحد» إلا أنه حملت الجملة الاسمية الداخل عليها حرف النفي على الفعلية المنفية في ذلك ، لأن المعنى : وما يضرون من أحد إلا أنه عدل إلى هذه الجملة المصدرة بالمبتدأ المخبر عنه باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار المزيد فيه باء الجر للتوكيد المراد الذي لم تفده الجملة الفعلية. قوله : «إلا بإذن الله» هذا استثناء مفرغ من الأحوال. فهو في محل نصب على الحال ، فيتعلق بمحذوف وفي صاحب هذه الحال أربعة أوجه :
أحدها : أنه الفاعل المستكن في «بضارين».
الثاني : أنه المفعول وهو «أحد» وجاءت الحال من النكرة لاعتمادها على النفي.
والثالث : أنه الهاء في «به» أي بسحر والتقدير : وما يضرون أحدا بالسحر إلا ومعه علم الله ، أو مقرونا بإذن الله ونحو ذلك.
الرابع : أنه المصدر المعروف ، وهو الضرر إلا أنه حذف للدلالة عليه. قوله : «ولا ينفعهم» في هذه الجملة وجهان :
أحدهما ـ وهو الظاهر ـ أنها عطف على «يضرهم» فتكون صلة ل «ما» أيضا ، فلا محل لها من الإعراب.
والثاني ـ وأجازه أبو البقاء ـ : أن تكون خبرا لمبتدأ مضمر تقديره : وهو لا ينفعهم ، وعلى هذا فتكون الواو للحال ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب على الحال ، وهذه الحال تكون مؤكدة لأن قوله : «ما يضرهم» يفهم منه عدم النفع ، قال أبو البقاء : ولا يصح عطفه على «ما» لأن الفعل لا يعطف على الاسم» وهذا من المواضع المستغنى عن النص على منعها لوضوحها ، وإنما ينص على منع شيء يتوهم جوازه ، وأتى هنا ب «لا» لأنها ينفى بها الحال والاستقبال ، وإن كان بعضهم خصها بالاستقبال. والضر والنفع معروفان يقال : ضره يضره بضم الضاد ، وهو قياس المضاعف المتعدي ، والمصدر : الضّر والضّر بالضم والفتح ، والضرر بالفك أيضا ، ويقال : ضاره يضيره بمعناه ضيرا قال الشاعر :
|
٦٦٤ ـ تقول أناس لا يضيرك نأيها |
|
بلى كلّ ما شفّ النّفوس يضيرها (٢) |
__________________
(١) انظر البحر المحيط (١ / ٣٣٢).
(٢) البيت من شواهد البحر (١ / ٣١٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)