الرابع : أن «ما» حرف نفي ، والجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها ، وهي (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) والمعنى : وما أنزل على الملكين إباحة السحر. والجمهور على فتح لام «الملكين» على أنهما من الملائكة ، وقرأ ابن عباس وأبو الأسود (١) والحسن بكسرها على أنهما رجلان من الناس ، وسيأتي تقرير ذلك.
قوله : (بِبابِلَ) متعلق بأنزل ، والباء بمعنى «في» أي : في بابل : ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال من الملكين ، أو من الضمير في «أنزل» فيتعلق بمحذوف ، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء.
وبابل لا ينصرف للعجمة والعلمية ، فإنها اسم أرض ، وإن شئت للتأنيث والعلمية وسميت بذلك قال : لتبلبل ألسنة الخلائق بها ، وذلك أن الله ـ تعالى ـ أمر ريحا فحشرتهم بهذه الأرض ، فلم يدر أحد ما يقول الآخر ، ثم فرقتهم الريح في البلاد يتكلم كل أحد بلغة.
والبلبلة : التفرقة وقيل : لما أهبط نوح ـ عليهالسلام ـ نزل فبنى قرية وسماها ثمانين ، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة. وقيل : لتبلبل ألسنة الخلق عند سقوط صرح نمرود.
قوله : (هارُوتَ وَمارُوتَ) الجمهور على فتح تائهما ، واختلف النحويون في إعرابهما وذلك مبني على القراءتين في «الملكين» : فمن فتح لام «الملكين» وهم الجمهور كان في هاروت وماروت أربعة أوجه :
أظهرها : أنها بدل من «الملكين» وجر بالفتحة ، لأنهما لا ينصرفان للعجمة والعلمية.
الثاني : أنهما عطف بيان لهما.
الثالث : أنهما بدل من «الناس» في قوله : (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) وهو بدل بعض من كل أو لأن أقل الجمع اثنان.
الرابع : أنهما بدل من «الشياطين» في قوله : ولكن الشياطين في قراءة من نصب ، وتوجيه البدل كما تقدم. وقيل : هاروت وماروت اسمان لقبيلتين من الجن ، فيكون بدل كل من كل ، والفتحة على هذين القولين للنصب. وأما من قرأ برفع «الشياطين» فلا يكون «هاروت وماروت» بدلا منهم ، بل يكون منصوبا في هذا القول على الذم أي : أذم هاروت وماروت من بين الشياطين كلها ، كقوله :
|
٦٤٨ ـ أقارع عوف لا أحاول غيرها |
|
وجوه قرود تبتغي من تجادع (٢) |
أي : أذم وجوه قرود ، ومن كسر لامهما فيكونان بدلا منهما كالقول الأول ، إلا إذا فسر الملكان بداود وسليمان ـ كما ذكره بعض المفسرين ـ فلا يكونان بدلا منهما ، بل يكونان متعلقين بالشياطين على الوجهين السابقين في رفع الشياطين ونصبه ، أو يكونان بدلا من «الناس» كما تقدم. وقرأ الحسن : هاروت وماروت برفعهما ، وهما خبر لمبتدأ محذوف أي : هما هاروت وماروت ، ويجوز أن يكونا بدلا من «الشياطين» الأول وهو قوله : «مما تتلوا الشياطين» أو الثاني على قراءة من رفعه. ويجمعان على هواريت ومواريت وهوارته وموارته ، وليس من زعم اشتقاقهما من الهرت
__________________
(١) ظالم بن عمرو بن ظالم أبو الأسود الدؤليّ البصري أول من أسس النحو توفي سنة تسع وستين للهجرة بطاعون الحارف البغية (٢ / ٢٢ ـ ٢٣).
(٢) البيت للنابغة انظر ديوانه (٥٥) ، وهو من شواهد الكتاب (٢ / ٧١) ، أمالي ابن الشجري (١ / ٣٤٤) ، وهو من شواهد البحر (١ / ٣٣٠) ، أحاول : أعالج وأزاول. والمجادعة : المشاتمة وأصلها من الجدع وهو قطع الأنف والأذن.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)