السادس : أن تكون «ما» نافية أي : فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا ، ومثله : (قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ)(١) ، (قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ)(٢) ، وهذا قوي من جهة المعنى ، وإنما يضعف شيئا من جهة تقدّم ما في حيّزها عليها ، قاله أبو البقاء ، وإليه ذهب ابن الأنباري ، إلا أنّ تقديم ما في حيزها عليها لم يجزه البصريون ، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء : «ولا يجوز أن تكون «ما» مصدرية ، لأن «قليلا» يبقى بلا ناصب». يعني أنّك إذا جعلتها مصدرية كان ما بعدها صلتها ، ويكون المصدر مرفوعا ب «قليلا» على أنه فاعل به فأين الناصب له؟ وهذا بخلاف قوله «كانوا قليلا من الليل ما يهجعون» فإنّ «ما» هناك يجوز أن تكون مصدرية لأنّ «قليلا» منصوب ب كان. وقال الزمخشري : «ويجوز أن تكون القلّة بمعنى العدم».
قال الشيخ (٣) : «وما ذهب إليه من أنّ «قليلا» يراد به النفي فصحيح ، لكن في غير هذا التركيب» ، أعني قوله تعالى : (فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ) لأنّ «قليلا» انتصب بالفعل المثبت فصار نظير «قمت قليلا» أي : قمت قياما قليلا ، ولا يذهب ذاهب إلى أنّك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت «قليلا» منصوبا نعتا لمصدر ذلك الفعل يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا وعدم وقوعه بالكلّية ، وإنما الذي نقل النحويون : أنّه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم : «أقلّ رجل يقول ذلك ، وقلّما يقوم زيد» ، وإذا تقرّر هذا فحمل القلة على النفي المحض هنا ليس بصحيح» انتهى. قلت : ما قاله أبو القاسم الزمخشري ـ رحمهالله ـ من أنّ معنى التقليل هنا النفي قد قال به الواحديّ قبله ، فإنه قال : «أي : لا قليلا ولا كثيرا ، كما تقول : قلّما يفعل كذا ، أي : ما يفعله أصلا».
قوله تعالى : (مِنْ عِنْدِ اللهِ) .. فيه وجهان :
أحدهما : أنّه في محلّ رفع صفة لكتاب ، فيتعلّق بمحذوف ، أي كتاب كائن من عند الله.
والثاني : أن يكون في محلّ نصب لابتداء غاية المجيء قاله أبو البقاء. وقد ردّ الشيخ هذا الوجه فقال (٤) : «لا يقال إنه يحتمل أن يكون «من عند الله» متعلقا بجاءهم ، فلا يكون صفة ، للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمول لغير أحدهما» يعني أنه ليس معمولا للموصوف ولا للصفة فلا يغتفر الفصل به بينهما.
والجمهور على رفع «مصدّق» على أنه صفة ثانية ، وعلى هذا يقال : قد وجد صفتان إحداهما صريحة والأخرى مؤولة ، وقد قدّمت المؤولة ، وقد تقدّم أنّ ذلك غير ممتنع وإن زعم بعضهم أنه لا يجوز إلا ضرورة. والذي حسّن تقديم غير الصريحة أنّ الوصف بكينونته من عند الله آكد ، وأنّ وصفه بالتصديق ناشئ عن كونه من عند الله. وقرأ ابن أبي عبلة «مصدّقا» نصبا ، وكذلك هو في مصحف أبيّ ، ونصبه على الحال ، وفي صاحبها قولان :
أحدهما أنه «كتاب». فإن قيل : كيف جاءت الحال من النكرة؟ فالجواب أنها قد قربت من المعرفة لتخصيصها بالصفة وهي «من عند الله» كما تقدّم. على أنّ سيبويه أجاز مجيئها منها بلا شرط ، وإلى هذا الوجه أشار الزمخشري.
والثاني : أنه الضمير الذي تحمّله الجارّ والمجرور لوقوعه صفة ، والعامل فيها إمّا : الظرف أو ما يتعلّق به على الخلاف المشهور ، ولهذا اعترض بعضهم على سيبويه في قوله :
__________________
(١) سورة الأعراف ، آية (٣).
(٢) سورة الأعراف ، آية (١٠).
(٣) انظر البحر المحيط (١ / ٣٠٣).
(٤) انظر البحر المحيط (١ / ٣٠٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)