والثاني : أن يكون جمع «غلاف» ، ويكون أصل اللام الضمّ فخفّف نحو : حمار وحمر وكتاب وكتب ، إلّا أنّ تخفيف فعل إنما يكون في المفرد غالبا نحو عنق في عنق ، وأمّا فعل الجمع فقال ابن عطية : «لا يجوز تخفيفه إلا في ضرورة» ، وليس كذلك ، بل هو قليل ، وقد نصّ غيره على جوازه ، وقرأ ابن عباس ـ ويروى عن أبي عمرو ـ بضم اللام وهو جمع «غلاف» ، ولا يجوز أن يكون فعل في هذه القراءة جمع «أغلف» لأنّ تثقيل فعل الصحيح العين لا يجوز إلّا في شعر ، والمعنى على هذه القراءة أنّ قلوبنا أوعية للعلم فهي غير محتاجة إلى علم آخر ، والتغليف كالتغشية في المعنى.
قوله : (بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ) (بَلْ) حرف إضراب ، والإضراب راجع إلى ما تضمّنه قولهم من أن قلوبهم غلف ، فردّ الله عليهم ذلك بأنّ سببه لعنهم بكفرهم السابق. والإضراب على قسمين : إبطال وانتقال ، فالأول نحو : ما قام زيد بل عمرو ، ولا تعطف «بل» إلا المفردات ، وتكون في الإيجاب والنفي والنهي ، ويزاد قبلها «لا» تأكيدا. واللّعن : الطّرد والبعد ، ومنه : شأو لعين أي بعيد : قال الشمّاخ :
|
٦١١ ـ ذعرت به القطا ونفيت عنه |
|
مقام الذئب كالرّجل اللّعين (١) |
أي : البعيد ، وكان وجه الكلام أن يقول : «مقام الذئب اللعين كالرجل». والباء في «بكفرهم» للسبب ، وهي متعلّقة بلعنهم. وقال الفارسي : «النية به التقديم أي : وقالوا : قلوبنا غلف بسبب كفرهم ، فتكون الباء متعلقة بقالوا وتكون «بل لعنهم» جملة معترضة» ، وفيه بعد ، ويجوز أن تكون حالا من المفعول في «لعنهم» أي لعنهم كافرين أي : ملتبسين بالكفر كقوله : (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ)(٢).
قوله : (فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ) في نصب «قليلا» ستة أوجه :
أحدها وهو الأظهر : أنه نعت لمصدر محذوف أي : فإيمانا قليلا يؤمنون.
الثاني : أنه حال من ضمير ذلك المصدر المحذوف أي : فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلّته ، وقد تقدّم أنه مذهب سيبويه وتقدّم تقريره.
الثالث : أنه صفة لزمان محذوف ، أي : فزمانا قليلا يؤمنون ، وهو كقوله : (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ)(٣).
الرابع : أنه على إسقاط الخافض والأصل : فبقليل يؤمنون ، فلمّا حذف حرف الجرّ انتصب ، ويعزى لأبي عبيدة.
الخامس : أن يكون حالا من فاعل «يؤمنون» ، أي فجمعا قليلا يؤمنون أي المؤمن فيهم قليل ، قال معناه ابن عباس وقتادة. إلا أن المهدوي قال : «ذهب قتادة إلى أنّ المعنى : فقليل منهم من يؤمن» ، وأنكره النحويون ، وقالوا : لو كان كذلك للزم رفع «قليل». قلت : لا يلزم الرفع مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لما تقدّم من أنّ نصبه على الحال واف بهذا المعنى. و «ما» على هذه الأقوال كلها مزيدة للتأكيد.
__________________
(١) البيت في ديوانه (٩٢) ، القرطبي (٢ / ٢٥).
(٢) سورة المائدة ، آية (٦١).
(٣) سورة آل عمران ، آية (٧٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)