ذلك ، ومعنى تهوى : تحبّ وتختار. وأصل الهوى : الميل ، سمّي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في النار ولذلك لا يستعمل غالبا إلا فيما لا خير فيه ، وقد يستعمل فيما هو خير ، ففي الحديث الصحيح (١) قول عمر في أسارى بدر : «فهوي رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت». وعن عائشة رضي الله عنها : «والله ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك» وجمعه أهواء ، قال تعالى : (بِأَهْوائِهِمْ)(٢) ، ولا تجمع على أهوية وإن كان قد جاء : ندى وأندية قال الشاعر :
|
٦١٠ ـ في ليلة من جمادى ذات أندية |
|
لا يبصر الكلب في ظلمائها الطّنبا (٣) |
وأمّا «هوى يهوي» بفتحها في الماضي وكسرها في المضارع فمعناه السقوط ، والهويّ ـ بفتح الهاء ـ ذهاب في انحدار ، والهويّ ذهاب في صعود ، وسيأتي تحقيق كلّ ذلك ، وأسند الفعل إلى الأنفس دون المخاطب فلم يقل : «بما لا تهوون» تنبيها أنّ النفس يسند إليها الفعل السّيّئ غالبا نحو : (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)(٤) (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ)(٥) (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ)(٦) واستكبر بمعنى تكبّر.
قوله : (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ) الفاء عاطفة جملة «كذّبتم» على «استكبرتم» و «فريقا» مفعول مقدّم قدّم لتتفق رؤوس الآي ، وكذا «وفريقا تقتلون» ، ولا بدّ من محذوف أي : فريقا منهم ؛ والمعنى أنه نشأ عن استكبارهم مبادرة فريق من الرسل بالتكذيب ومبادرة آخرين بالقتل ، وقدّم التكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشرّ ولأنه مشترك بين المقتول وغيره ، فإنّ المقتولين قد كذّبوهم أيضا ، وإنما لم يصرّح به لأنه ذكر أقبح منه في الفعل. وجيء ب «تقتلون» مضارعا : إمّا لكونه مستقبلا لأنهم كانوا يرومون قتل رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ولما فيه من مناسبة رؤوس الآي والفواصل ، وإمّا أن يراد به الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب. وأجاز الراغب أن يكون «ففريقا كذّبتم» معطوفا على قوله «وأيّدناه» ويكون «أفكلما» مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار ، والأظهر هو الأول ، وإن كان ما قاله محتملا.
(وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ)(٨٩)
قوله تعالى : (قُلُوبُنا غُلْفٌ) .. مبتدأ وخبر ، والجملة في محلّ نصب بالقول قبله ، وقرأ الجمهور : «غلف» بسكون اللام ، وفيها وجهان :
أحدهما ـ وهو الأظهر ـ : أن يكون جمع «أغلف» كأحمر وحمر وأصفر وصفر ، والمعنى على هذا : أنها خلقت وجبلت مغشّاة لا يصل إليها الحقّ استعارة من الأغلف الذي لم يختتن.
__________________
(١) أخرجه مسلم (٣ / ١٣٨٥) في كتاب الجهاد والسير باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.
(٢) سورة الأنعام ، آية (١١٩).
(٣) البيت لمرة بن محكان انظر الخصائص (٣ / ٥٢) ، المقتضب (٣ / ٨١) ، أوضح المسالك (٣ / ٢٤٢).
(٤) سورة يوسف ، آية (٥٣).
(٥) سورة يوسف ، آية (١٨).
(٦) سورة المائدة ، آية (٣٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)