نظر لأنه يشعر بجواز شيء آخر وذلك متعذّر ، كيف يتوهّم أن أيّد بالتشديد في قراءة الجمهور بزنة أفعل ، هذا ما لا يقع.
والأيد : القوّة ، قال عبد المطلب :
|
٦٠٧ ـ الحمد لله الأعزّ الأكرم |
|
أيّدنا يوم زحوف الأشرم (١) |
والصحيح أن فعّل وأفعل هنا بمعنى واحد وهو قوّيناه. وقد فرّق بعضهم بينهما فقال : «أمّا المدّ فمعناه القوة ، وأمّا القصر فمعناه التأييد والنّصر» ، وهذا في الحقيقة ليس بفرق ، وقد أبدلت العرب في آيد على أفعل الياء جيما فقالت : آجده أي قوّاه ، قال الزمخشري : يقال : «الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف وأوجدني بعد فقر» ، وهذا كما أبدلوا من يائه جيما فقالوا : لا أفعل ذلك جد الدهر أي : يد الدهر ، وهو إبدال لا يطّرد.
قوله : «بروح القدس» متعلّق بأيّدناه. وقرأ ابن كثير : «القدس» بإسكان الدال ، والباقون بضمّها ، وهما لغتان : الضمّ للحجاز ، والإسكان لتميم ، وقد تقدّم ذلك ، وقرأ أبو حيوة : «القدوس» بواو ، وفيه لغة فتح القاف والدال ومعناه الطهارة أو البركة كما تقدّم عند قوله : (وَنُقَدِّسُ لَكَ)(٢). والروح في الأصل : اسم للجزء الذي تحصل به الحياة في الحيوان قاله الراغب ، والمراد به جبريل عليهالسلام لقول حسّان :
|
٦٠٨ ـ وجبريل رسول الله فينا |
|
وروح القدس ليس له كفاء (٣) |
سمّي بذلك لأنّ بسببه حياة القلوب.
قوله : (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ) الهمزة هنا للتوضيح والتقريع ، والفاء للعطف عطفت هذه الجملة على ما قبلها ، واعتني بحرف الاستفهام فقدّم ، وقد مرّ تحقيق ذلك ، وأنّ الزمخشري يقدّر بين الهمزة وحرف العطف جملة ليعطف عليها. وهذه الجملة يجوز أن تكون معطوفة على ما قبلها من غير حذف شيء ، كأنه قال : ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول. ويجوز أن يقدّر قبلها محذوف أي : ففعلتم ما فعلتم فكلما جاءكم رسول. وقد تقدّم الكلام في «كلما» عند قوله : (كُلَّما أَضاءَ)(٤). والناصب لها هنا (اسْتَكْبَرْتُمْ) ، و «رسول» فعول بمعنى مفعول أي مرسل ، وكون فعول بمعنى المفعول قليل ، جاء منه الرّكوب والحلوب أي : المركوب والمحلوب ، ويكون مصدرا بمعنى الرسالة قاله الزمخشري. وأنشد :
|
٦٠٩ ـ لقد كذب الواشون ما فهت عندهم |
|
بسرّ ولا أرسلتهم برسول (٥) |
أي : برسالة ، ومنه عنده : (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ)(٦).
قوله : (بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ) متعلّق بقوله «جاءكم» ، و «جاء» يتعدى بنفسه تارة كهذه الآية ، وبحرف الجرّ أخرى نحو : جئت إليه ، و «ما» موصولة بمعنى الذي ، والعائد محذوف لاستكمال الشروط ، والتقدير : بما لا تهواه ، و «تهوى» مضارع هوي بكسر العين ولامه من ياء لأنّ عينه واو ، وباب طويت وشويت أكثر من باب قوّة وحوّة. ولا دليل في «هوي» لانكسار العين وهو مثل «شقي» من الشّقاوة ، وقولهم في تثنية مصدره هويان أدلّ دليل على
__________________
(١) البيت من شواهد البحر (٤ / ٥١).
(٢) سورة البقرة ، آية (٣٠).
(٣) انظر ديوانه (٦٠).
(٤) سورة البقرة ، آية (٢٠).
(٥) البيت لكثير انظر ديوانه (٢ / ٢٤٩) ، الكشاف (٤ / ٤٩٧).
(٦) سورة الشعراء ، آية (١١٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)